رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ظل واقع تتزايد فيه الإشكاليات وتتسارع التحولات الفكرية والقيمية، جاءت ندوة "الفتوى وقضايا الواقع الإنساني"، التي نظمتها دار الإفتاء المصرية، لتؤكد أن الفتوى لم تعد مجرد جواب عن سؤال ديني، بل أضحت خطابًا إفتائيًا حيًّا ومتفاعلًا مع واقع الناس وقضاياهم. 

كما أبرزت الندوة أن أهل الفتوى وعلماءها يمتلكون القدرة على إعادة البعد الإنساني إلى المجتمع، وإكسابه الصبغة الإنسانية التي تراجعت بفعل الطغيان المادي والتطورات التكنولوجية المتسارعة في عصرنا الحديث.

وعلى هامش هذه الندوة، عُقدت مجموعة من ورش العمل المهمة، شارك فيها نخبة من المثقفين من مصر والعالم العربي، قدّموا خلالها رؤاهم ومقارباتهم حول القضايا المطروحة على ساحة الفكر الديني في عالمنا المعاصر.

ومن أبرز هذه الورش - من وجهة نظري-، ورشة "المؤشر العالمي للفتوى" المعنونة بـ "تحديات إنسانية معاصرة: دور الفتوى في مواجهة السيولة الأخلاقية وتعزيز الأمن الفكري"، حيث عُرضت دراسة مهمة أعدّها فريق المؤشر، تناولت عددًا من المفاهيم الرئيسة، مثل السيولة الفكرية والأمن الفكري.. وسلطت الضوء على الدور الذي يمكن أن يضطلع به الخطاب الإفتائي المنضبط في مواجهة السيولة الأخلاقية، وتعزيز الأمن الفكري، وترسيخ قيم التعايش، وتعميق الإحساس بالأمن على الهوية والخصوصية الثقافية، فضلًا عن التصدي لظواهر سلبية تهدد الأمن الفكري مثل التنمر والتطرف.

وتُعدّ هذه الأدوار جميعها ذات أهمية بالغة، إذ تنسجم مع طبيعة مجتمعنا المتدين بطبعه، والذي يشكّل الدين فيه عنصرًا أساسًا من مكوّناته الثقافية وهويته الحضارية.

أما الورشة الثانية المهمة من وجهة نظري أيضًا، فكانت بعنوان "الفتوى والقانون الدولي الإنساني: حماية المدنيين بين المقاصد الشرعية والقواعد الدولية"، التي نظمها "مركز سلام لدراسات التطرف ومكافحة الإسلاموفوبيا" التابع لدار الإفتاء المصرية. 

وتكمن أهمية هذه الورشة في إثباتها أن الإشكالية الحقيقة لا تكمن في مواد القوانين بل في تطبيقها، وأن معظم القوانين الدولية لا تتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية بل تتقاطع معها في أهدافها. فعلى سبيل المثال قانون منع الإبادة الجماعية، الذي يُعد من أهم قوانين حماية حقوق الإنسان، ينص على أن الإبادة الجماعية تعني أيًا من الأفعال التالية: "قتل أفراد جماعة معينة، إلحاق ضرر جسدي أو عقلي بجماعة معينة، إخضاع جماعة معينة لظروف معيشية الهدف منها تدميرهم كليًا أو جزئيًا، فرض إجراءات على جماعة معينة الهدف منها إعاقة إنجاب أطفال، نقل الأطفال بالقوة من جماعة إلى أخرى".

ومن يتأمل مقاصد الشريعة الإسلامية، المتمثلة في حفظ النفس والعقل والدين والنسل والمال، يدرك أنها تشكّل روايةً مضادّةً قويةً لجرائم الإبادة الجماعية، كما تمثّل أصولًا راسخةً لمنظومة حقوق الإنسان التي تنادي بها المجتمعات والمنظمات الدولية في عصرنا الحديث. 

فالمقصد الأول، وهو حفظ النفس، يُعدّ روايةً مضادّةً للمادتين الأولى والثالثة من قانون الإبادة الجماعية، واللتين تتعلقان بقتل أفراد جماعة معيّنة أو إخضاعها لظروف معيشية يُراد بها تدميرها. كما يشكّل هذا المقصد ذاته ردًّا مباشرًا على الشقّ الأول من المادة الثانية، المتعلّق بإلحاق الأذى الجسدي بأفراد الجماعة. 

أما المقصد الثاني من مقاصد الشريعة، وهو حفظ العقل، فيُعدّ الإجراء المضاد للشقّ المتعلق بإلحاق الأذى الروحي بأفراد الجماعة، الوارد في المادة الثانية من قانون الإبادة الجماعية. ولا شك أن الأذى الروحي لا يقتصر أثره على الجسد فحسب، بل يمتد ليصيب العقل ويترك انعكاسات سلبية عميقة على التفكير والوعي. 

ويُعدّ المقصد الرابع من مقاصد الشريعة، وهو حفظ النسل، روايةً مضادّةً للمادتين الرابعة والخامسة من قانون الإبادة الجماعية، واللتين تنصّان على فرض تدابير تستهدف الحيلولة دون إنجاب الأطفال داخل جماعة معيّنة، ونقل أطفالها قسرًا إلى جماعة أخرى.

ومن هنا يمكن القول إن الاعتقاد بأن حقوق الإنسان إنجازٌ غربيٌّ خالص هو اعتقادٌ غير دقيق، إذ إن الشريعة الإسلامية قد أرست أسس هذه الحقوق منذ ما يزيد على ألف وخمسمائة عام، وجعلتها مبادئ راسخة وخطوطًا حمراء لا يجوز المساس بها أو التفريط فيها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء