جودة غانم: المعاهد العليا تحولت لقاطرة توظيف وتنمية|خاص
تشهد منظومة التعليم العالي في مصر واحدة من أكثر مراحلها تحولًا منذ عقود، في ظل توجه الدولة لإعادة هيكلة المسارات التعليمية المختلفة، وربط مخرجاتها باحتياجات سوق العمل، بما يخدم خطط التنمية الشاملة وبناء الإنسان المصري.
وفي قلب هذه التحولات، تبرز المعاهد العليا الخاصة كأحد الملفات المحورية، نظرًا لدورها المتنامي في استيعاب مئات الآلاف من الطلاب سنويًا، وتنوع تخصصاتها، واتساع انتشارها الجغرافي.
ولم تعد المعاهد العليا، وفق الرؤية الحكومية الجديدة، مجرد بديل تعليمي للجامعات، بل أصبحت مسارًا استراتيجيًا يستهدف إعداد كوادر مؤهلة، قادرة على المنافسة، والاندماج السريع في سوق العمل المحلي والدولي.
هذه الرؤية تقودها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، من خلال خطة شاملة لإعادة الهيكلة، تستند إلى معايير الجودة والاعتماد، والتخصصات المستقبلية، والشراكات مع القطاعين العام والخاص.
ولفهم ملامح هذه الخطة، وتفاصيلها، وآليات تنفيذها، والتحديات التي تواجهها، كان لموقع “إيجبتك” هذا الحوار المطوّل مع الدكتور جودة غانم، رئيس قطاع التعليم، والمشرف العام على مكتب التنسيق، وأمين المجلس الأعلى للمعاهد العليا، الذي كشف بالأرقام والوقائع كيف تتحول المعاهد من مؤسسات تعليمية تقليدية إلى بوابات حقيقية للتوظيف والتنمية.
■ في البداية، كيف تصفون موقع المعاهد العليا اليوم داخل منظومة التعليم العالي المصرية؟
المعاهد العليا اليوم لم تعد كما كانت في السابق، ولم تعد خيارًا هامشيًا أو بديلًا اضطراريًا، بل أصبحت مسارًا تعليميًا رئيسيًا داخل منظومة التعليم العالي. نحن نتحدث عن مؤسسات تعليمية تستوعب أعدادًا ضخمة من الطلاب، وتغطي تخصصات متنوعة تخدم قطاعات حيوية في الاقتصاد المصري، وهو ما جعل الدولة تولي هذا الملف اهتمامًا خاصًا.

■ ما الأسباب التي دفعت الدولة لإطلاق خطة شاملة لإعادة هيكلة المعاهد العليا؟
السبب الرئيسي هو الفجوة التاريخية بين التعليم وسوق العمل. الدولة، بتوجيهات القيادة السياسية، أدركت أن استمرار هذه الفجوة يمثل خطرًا على التنمية. لذلك كان لابد من إعادة صياغة دور المعاهد، بحيث لا يقتصر على التعليم النظري أو منح الشهادات، بل يمتد ليشمل التأهيل المهني الحقيقي، وربط الخريج مباشرة بفرص العمل.
■ من يقود هذه الرؤية داخل وزارة التعليم العالي؟
هذه الخطة تأتي بتوجيهات مباشرة من الدكتور أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وبدعم كامل من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي ، في إطار رؤية الدولة المصرية ، التي تضع التعليم في مقدمة أولوياتها باعتباره المحرك الرئيسي للتنمية وبناء الإنسان.
■ كم يبلغ عدد المعاهد العليا حاليًا، وكيف ترون خريطة انتشارها؟
لدينا حاليًا 182 معهدًا عاليًا خاصًا، موزعين على مختلف محافظات الجمهورية، وهو ما يحقق عدالة جغرافية في إتاحة التعليم، ويخفف الضغط عن الجامعات الحكومية، وفي الوقت نفسه يتيح فرص تعليمية قريبة من محل إقامة الطالب.
■ وما طبيعة التخصصات التي تقدمها هذه المعاهد؟
التخصصات متنوعة وتشمل نظم المعلومات الإدارية، العلوم الإدارية والتجارية، الدراسات الهندسية، العلوم الصحية التطبيقية، التمريض، علوم الحاسب الآلي، الذكاء الاصطناعي، اللغات، السياحة والفنادق، الإعلام، ترميم الأثاث، وغيرها من التخصصات التي تخدم قطاعات الصناعة والخدمات والسياحة والتكنولوجيا.
■ هل يمثل هذا التنوع قوة أم تحديًا؟
هو قوة كبيرة، لكنه يحمل تحديًا في الوقت ذاته. التنوع يفرض علينا مسؤولية ضخمة لضمان جودة البرامج التعليمية، وتوحيد المعايير، والتأكد من أن الخريج يمتلك المهارات المطلوبة، وليس مجرد شهادة.

■ كيف تعاملت الوزارة مع هذا التحدي؟
تعاملنا معه من خلال سياسات تنظيمية صارمة، وفتح باب التطوير المشروط. شجعنا المعاهد على تحديث برامجها، لكن وفق احتياجات حقيقية لسوق العمل، وليس لمجرد التوسع العددي أو جذب الطلاب.
■ ما أبرز ملامح التطوير في البرامج الدراسية؟
التركيز الأكبر كان على التخصصات التكنولوجية الحديثة. عدد من المعاهد بدأ بالفعل تدريس برامج مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتقدمت معاهد أخرى بطلبات لإضافة برامج في علوم البيانات وعلوم الحاسب والتخصصات البينية، وهي مجالات تشهد طلبًا متزايدًا محليًا وعالميًا.
■ هل هناك ضوابط لقبول هذه البرامج الجديدة؟
بالطبع. لا يتم اعتماد أي برنامج إلا بعد التأكد من توافر الإمكانيات البشرية والمادية، ومدى ارتباط البرنامج باحتياجات سوق العمل، حتى لا نكرر أخطاء الماضي.
■ حدثنا عن كراسة الشروط الجديدة لإنشاء المعاهد.
قمنا بإعداد كراسة شروط ومواصفات جديدة وفق معايير قياسية عالمية، وتم اعتمادها رسميًا في مجلس شؤون المعاهد، وجارٍ حاليًا طباعتها. هذه الكراسة تمثل نقلة نوعية في طريقة التفكير.
■ ما الفلسفة الجديدة التي تقوم عليها هذه الكراسة؟
الفلسفة الجديدة تنظر للمعهد باعتباره مؤسسة تعليمية متكاملة، لا تقتصر على التدريس فقط، بل تقدم خدمات ثقافية ورياضية واجتماعية وفنية وعلمية، تسهم في بناء شخصية الطالب وتنمية مهاراته.
■ كيف تسهم هذه الأنشطة في تحقيق أهداف التعليم؟
الطالب لا يحتاج فقط إلى معرفة أكاديمية، بل إلى شخصية متوازنة، قادرة على العمل الجماعي، والتواصل، والابتكار، وهذه المهارات لا تتشكل داخل قاعة المحاضرات فقط.
■ من أبرز محاور التطوير إنشاء مراكز توظيف الخريجين، كيف سيتم تطبيق ذلك؟
ألزمنا جميع المعاهد بإنشاء مراكز متخصصة لتوظيف الخريجين، تكون حلقة وصل مباشرة مع سوق العمل. هذه المراكز ستعقد بروتوكولات تعاون مع المصانع والشركات، وتنظم ملتقيات توظيف، ولقاءات مباشرة بين الطلاب وأصحاب الأعمال.
■ هل سيقتصر دور هذه المراكز على التوظيف فقط؟
لا، دورها أوسع. ستعمل على رصد المهارات المطلوبة في كل قطاع، وتوجيه المعاهد لإدراجها ضمن البرامج الدراسية، أو تقديمها في صورة دورات تدريبية أثناء الدراسة.

■ هل أصبح التوظيف معيارًا للتقييم؟
نعم، وهذه نقطة مفصلية. نسبة توظيف الخريجين ستصبح معيارًا أساسيًا لتقييم المعاهد. المعهد الذي يحقق 60% توظيف أو أكثر سيحصل على تقييم أعلى، بينما تخضع المعاهد منخفضة التوظيف لإعادة تقييم وإجراءات تصحيحية.
■ هل الهدف عقابي؟
لا، الهدف إصلاحي. نحن لا نسعى إلى العقاب، بل إلى تحسين الأداء ورفع الجودة.
■ ماذا عن ريادة الأعمال والابتكار؟
الدولة لم تعد تستهدف تخريج طلاب يبحثون عن وظيفة فقط، بل شبابًا قادرين على خلق فرص عمل. لذلك ألزمنا المعاهد بإنشاء مراكز لريادة الأعمال والإبداع والابتكار.
■ كيف ستدعم هذه المراكز الطلاب؟
من خلال دعم مشروعات التخرج المبتكرة، وتحويل الأفكار إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، تخدم المجتمع المحلي وتسهم في تنمية الاقتصاد.
■ ملف ذوي الإعاقة حاضر بقوة في الخطة، كيف يتم التعامل معه؟
ألزمنا المعاهد بإنشاء وحدات متخصصة لخدمة ذوي الإعاقة، لتقديم الدعم الأكاديمي والتقني المناسب، وضمان تكافؤ الفرص، وهو التزام يعكس توجه الدولة نحو العدالة الاجتماعية وعدم التمييز.
■ هل هناك مرونة في المسارات التعليمية؟
نعم، كراسة الشروط الجديدة تتيح مسارين: المسار الأكاديمي والمسار التكنولوجي، مع تحديد البرامج المطلوبة في كل مسار، مع رقابة صارمة.
■ ماذا عن التخطيط الجغرافي للتخصصات؟
أعددنا خريطة جغرافية للتخصصات المطلوبة بكل محافظة، وفق طبيعتها الصناعية والخدمية، لتوجيه إنشاء المعاهد بما يخدم المجتمع المحلي ويوفر فرص عمل حقيقية.
■ كيف تقيمون الإقبال الطلابي؟
العام الحالي شهد التحاق 292 ألف طالب بالمعاهد العليا الخاصة عبر التنسيق، و115 ألف طالب بالمعاهد الفنية المتوسطة، بإجمالي 407 آلاف طالب، وهو رقم غير مسبوق يعكس ثقة متزايدة في المعاهد.
■ ماذا عن ضبط التحويلات؟
لأول مرة انتهينا من التحويلات قبل 15 نوفمبر، ما وفر استقرارًا نفسيًا ودراسيًا للطلاب، وأنهى حالة القلق التي كانت تمتد لأشهر.
■ هل هناك تعاون دولي؟
نعم، عدد من المعاهد أبرم بروتوكولات تعاون مع مؤسسات في إسبانيا وكوريا الجنوبية وروسيا، تشمل التدريب ومشروعات التخرج وتبادل أعضاء هيئة التدريس.
■ ومشاركة المعاهد في المبادرات القومية؟
تشارك 9 معاهد في المبادرة الرئاسية «تحالف وتنمية»، بالشراكة مع جامعات حكومية وشركات ومصانع، وهو ما يعكس تحول المعاهد إلى شريك فاعل في التنمية.
■ أخيرًا، ماذا عن ملف الجودة والاعتماد؟
هو الركيزة الأساسية للإصلاح. 45 معهدًا حصلوا على الاعتماد المؤسسي والبرامجي، و21 معهدًا على اعتماد مشروط، و29 مُنحت مهلة، و68 تقدموا للاعتماد وجارٍ فحص ملفاتهم بدقة شديدة.
في ختام الحوار، أكد الدكتور جودة غانم لموقع إيجبتك أن ما تشهده منظومة المعاهد العليا من تطوير غير مسبوق يأتي في إطار رؤية الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي تضع التعليم في صدارة أولوياتها باعتباره أساس بناء الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة. وأوضح أن توجيهات الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أسهمت في تسريع وتيرة الإصلاح، ودعم الربط بين التعليم وسوق العمل، وتعزيز الشراكات مع القطاعات الإنتاجية.
كما ثمّن غانم الدعم المستمر من الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الذي تبنّى سياسات واضحة لتحديث المعاهد، ورفع جودة برامجها، وربط تقييمها بمعدلات توظيف الخريجين، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من الحوكمة والرقابة ورفع الجودة.
وشدد على أن الهدف النهائي هو تحويل المعاهد العليا إلى مسار تعليمي فعّال، قادر على تخريج كوادر مؤهلة تلبي احتياجات سوق العمل المحلي والدولي، وتسهم بفاعلية في بناء الجمهورية الجديدة
