رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في أوائل التسعينيات، حين التحقتُ بالعمل في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، كان الجدل دائرًا حول قضية "التمويل الأجنبي"، وقتها، انقسم العاملون بين مؤيد يرى أنه لا ضرر في تلقي الدعم الخارجي إذا لم يُملِ أجندة تهدد الأمن القومي وتفرض رؤى غربية على قضايانا المحلية، وبين رافض يخشى أن يكون هذا المال حصان طروادة لاختراق المجتمع بأفكار تشكل خطرًا على قيمه.

وضعت المنظمة المصرية شروطًا صارمة للتمويل، أبرزها منع أي تدخل في صياغة الأفكار أو تبني أجندات تهدد السلم الاجتماعي، بينما رفضت المنظمة العربية لحقوق الإنسان، برئاسة محمد فايق، وزير الإعلام الأسبق، أي دعم خارجي، مكتفية بوديعة كريمة من الكاتبة الكويتية سعاد الصباح، كانت تُنفق منها على طباعة الكتب والتقارير ومرتبات العاملين.

لم يمر وقت طويل حتى تفككت المنظمة المصرية إلى عشرات الكيانات الصغيرة، اندفع مؤسسوها لتأسيس منظمات خاصة، وفتحت أمامهم خزائن التمويل الأجنبي بلا قيود كافية. 

ومع الانقسام، انقسم المجتمع أيضًا حول قبول التمويل ورفضه: فريق يراهن على وعي الشعب والرقابة الحكومية من خلال سن قوانين تقيد التمويل وتضبطه، وآخر يرى أن المال الخارجي يحمل في طياته مشروعًا لطمس القيم الأصيلة وخطرًا حقيقيًا على المجتمع.

اليوم، وبعد ثلاثة عقود، تغيّرت ساحة الاختراق، لكن الهدف لم يتغي،. فبدلاً من منظمات المجتمع المدني التي كانت تضم شبابًا مثقفًا قادرًا على الجدال والرفض، جاء البديل في صورة صناع محتوى على "تيك توك" من الباحثين عن الربح السريع، حتى لو كان الثمن نشر الفسق والتحريض على الفجور، واستهداف المراهقين بأسلوب ناعم ومباشر في آن واحد.

القضايا الأخيرة تكشف حجم الظاهرة: أكثر من 160 مليون جنيه جُمعت من محتوى خادش للحياء، تم تبييضها عبر شراء عقارات فاخرة، سيارات فارهة، وشركات وهمية. 

نفس المنهج القديم في تمرير المال المشبوه: توزيع الأموال على حسابات متعددة، استخدام أسماء أقارب، وتجنب النظام المصرفي قدر الإمكان.

الأمر لا يتعلق فقط بجريمة جنائية، بل بمحاولات مستمرة لإعادة تشكيل وعي هذا الشعب عبر ضخ أموال هائلة لشراء عقول المراهقين والشباب، وكسر الحواجز الأخلاقية تدريجيًا.

فما فشل التمويل الأجنبي المباشر في تمريره، يمر اليوم عبر فيديو قصير على منصة رقمية، لا تتجاوز مدته دقيقة، لكنه يترك أثرًا طويلًا وخطيرًا.

القانون يعاقب بالسجن حتى سبع سنوات ومصادرة الأموال، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إدراك أن المعركة لم تعد على أبواب المنظمات الحقوقية، بل في جيوب الهواتف المحمولة، وأن الحرب على "صناع المحتوى المخل" هي حرب للدفاع عن قيم المجتمع.محمد رفعت

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء