نقف علي أعتاب عصر جديد يعاد فيها تشكيل العمران البشري، وبالمعني الفلسفي ذهب القدماء وعلي رأسهم أرسطو إلي قوله" الإنسان مدني بالطبع واجتماعي بالفطرة، وقد أكد علي ذلك العلامة بن خلدون بقوله الإنسان اجتماعي الطبع يحتاج إلي غيره لإشباع حاجاته، فهو القانون الأساسي للعمران البشري، هذا القانون يعاد تشكيله الآن ، ويعاد معه إعادة تشكيل قوانين العمران البشري برمتها، ويثار سؤال أساسي الآن ربما كان خيالياً ، وبات الآن منطقياً ، فإذا كان الإنسان بحاجة إلي غيره ، فمن هو الغير إذن ؟ وبتوسيع الدائرة نسأل من هم الأغيار؟ الإجابة هم غير الذات من البشر الذي يتعامل معهم الفرد، فهل فكرة الغير باتت إنسانية؟ بالطبع لا . فثمة أغيار جديدة رقمية، لليست ببشر، ولكن آلات تحاكي البشر.
طلت علينا ربوتات الدردشة التي تعتمد علي النماذج اللغوية الكبيرة، والتي تعي لغة البشر وتفهمها وتتعامل معه باللغة التي يرغب فيها، وقد أطلقت العديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي المجال أمام الدردشة مع الروبوتات، وباتت الربوتات تتحدث مع الإنسان، بالشكل الذي يريده، وفي المجال الذي يريده، وبالمعني الدارج " بتاخد الإنسان علي قد عقله" ، وعلي الرغم من عدم وجود إحصاءات حول الحديث مع روبوتات الذكاء الاصطناعي؛ إلا أن الواقع يكشف عن تعامل الكثير مع ربوتات الدردشة.
يأخذنا ذلك إلي ما قبل عشرون عاماً مضت، فقد نشرت باحثة تسمي "لانشارد" مقال بعنوان الإحساس بالمجتمع الافتراضي، وناقشت هذه المقال في وقتها ، والسؤال الأساسي الذي كانت تطرحه هل نحس بأننا في مجتمع حقيقي عندما ندخل إلي المجتمع الافتراضي؟ وجادل معي الكثير وأنا أقدم هذه الطرح ورفضه وقتها الكثير، ويبدو الآن أن الأمر تجاوز مسألة الإحساس إلي مسألة الحديث مع الروبوتات، تلك الربوتات التي باتت تتابع اللهجة ونبرة الصوت وتشارك الإنسان آماله وآلامه، تواسيه وتشجعه، وتنصحة وترشده، وتشارك وحدتة.
كشفت الروبوتات عن صحبة جديدة وهي الصحبة الرقمية، وهنا يبدو سؤال – من دون تعميم- هل ثمة تحول من الإنسان كائن اجتماعي إلي الإنسان كائن تكنولوجي؟ أشارت العديد من الدراسات الأجنبية إلي تأكيد هذه الفرضية ، وقليل من الدراسات العربية ومنها دراسة حديثة في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية نفذتها الدكتورة أميرة مصطفي، ضمن فاعليات المؤتمر السنوي الخامس والعشرون حول الرفيق الاجتماعي، والتي أشارت إلي أن هناك العديد من الشباب يتجه إلي الدردشة الرقمية بحثا عن رفيق يشاركه الاهتمام.
تكشف الصحبة الرقمية عن مؤانسة اجتماعية جديدة، ربما تكون دوافعها ضغوط الحداثة علي الذات، فتحاول الذات أن تجد سبيل حداثي أيضاً للتحرر من هذا الضغط ، فتتجه إلي الدردشة مع روبوتات الدردشة، وربما يرجع إلي طبيعة العصر الرقمي ذاته وإعادة إنتاج العلاقات فيه بشكل رقمي، وثمة تفسيرات أخري اجتماعية ونفسية واقتصادية وثقافية وجيلية لايسع المقام لسردها.
يتبادر إلي الذهن هنا حيرة مقبولة هل يمكن لهذه العلاقات أن تعاني من الصراع الاجتماعي يوماً ما، وهل يمكن أن يحدث خلاف في وجهات النظر مع هذه الروبوتات، وهل يمكن أن نقول في يوم من الأيام أن الاختلاف في جهات النظر بين الإنسان والآلة لايفسد للود قضية، وهل يمكن أن يتشكل شبكة علاقات عاطفية مع هذه الآلات، وبالطبع للصحبة الرقمية الحلوة تداعيات علي طبيعة العمران البشري وقانون الإنسانية القادم سيكشف عن عقد اجتماعي جديد ليس بين البشر والبشر ولكن بين الإنسان والآلة ... وللحديث بقية.