رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مع اقتراب استحقاقها.. هل تسحب صناديق الذهب البساط من شهادات البنوك؟

الذهب 
الذهب 

يشهد القطاع المصرفي المصري مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب عام 2026، في ظل تحولات واضحة في سلوك الادخار والاستثمار لدى المواطنين، مدفوعة بالصعود التاريخي لأسعار الذهب محليًا، وتغير خريطة العوائد الحقيقية داخل الجهاز المصرفي. 

هذا المشهد فتح بابًا واسعًا للنقاش داخل البنوك حول مستقبل شهادات الادخار التقليدية، ومدى قدرتها على الصمود أمام بريق المعدن الأصفر الذي عاد ليتصدر المشهد كأداة حفظ قيمة واستثمار في آن واحد.

شهادات مرتفعة العائد على المحك

تترقب البنوك الحكومية الكبرى، وفي مقدمتها البنك الأهلي المصري وبنك مصر، موعد استحقاق شهادات الادخار مرتفعة العائد 23% و27% في يناير 2026، وهي الشهادات التي مثّلت أحد أهم أدوات السياسة النقدية غير المباشرة خلال عام 2024.

وتشير التقديرات إلى أن القيمة الإجمالية لهذه الشهادات تراوحت بين 1.25 و1.5 تريليون جنيه، جرى ضخها لامتصاص السيولة الزائدة وكبح جماح التضخم، دون إحداث ضغوط كبيرة على ربحية البنوك.

صناديق الذهب تجذب 238 ألف مستثمر في مصر والأصول تتجاوز 3.16 مليار جنيه

وشهدت سوق المال المصرية توسعًا لافتًا في الإقبال على صناديق الاستثمار في الذهب، بعد أن ارتفع إجمالي صافي أصول هذه الصناديق إلى نحو 3.16 مليار جنيه بنهاية سبتمبر 2025، بنسبة نمو بلغت 276% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق ما كشف عنه الدكتور إسلام عزام، رئيس مجلس إدارة البورصة المصرية.

وقال عزام إن هذه الأرقام تعكس ثقة متزايدة من المستثمرين في الأدوات المالية المرتبطة بالذهب كخيار استثماري آمن ومتوازن، خاصة في ظل التقلبات العالمية في أسعار السلع والعملات، وحرص الأفراد على تنويع محافظهم الاستثمارية بين الأصول المادية والمالية.

محمد عبد العال، عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، يؤكد أن هذه الشهادات نجحت في تحقيق هدفها النقدي، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من المدخرات كان سيذهب لأسواق بديلة لولا هذه الأوعية مرتفعة العائد، ما كان سيؤدي إلى ضغوط أكبر على سوق الصرف والأسعار.

العائد الحقيقي.. كلمة السر

يرى عبد العال أن المقارنة بين الشهادات والذهب لا يجب أن تُبنى على العائد الاسمي فقط، بل على العائد الحقيقي بعد خصم التضخم. ويوضح أن الشهادات في ذروة التضخم، حين بلغ نحو 38%، ورغم عوائد 27–30%، كانت تحقق عائدًا حقيقيًا سلبيًا.

أما في الوضع الحالي، ومع تراجع التضخم إلى نحو 12.2%، فإن الشهادات بعوائد تتراوح بين 17–18% تحقق عائدًا حقيقيًا إيجابيًا يصل إلى 6–7%، وهو من أعلى المعدلات عالميًا مقارنة بالأسواق الناشئة، بحسب عبد العال.

وأشار إلى أن ما بين 60% و70% من المدخرين في مصر ما زالوا يفضلون الأوعية الادخارية الآمنة ذات العائد الثابت، سواء قصيرة أو متوسطة أو طويلة الأجل، بينما تتجه النسبة المتبقية إلى أدوات أكثر مخاطرة نسبيًا مثل أذون الخزانة، والصناديق الاستثمارية، والعقار، والذهب، وفق قدرة كل مستثمر على تحمل المخاطر.

الذهب.. لماذا عاد بقوة؟

على الجانب الآخر، تكشف بيانات السوق المحلية عن استقرار سعر جرام الذهب عيار 21 – الأكثر تداولًا في مصر – فوق مستوى 5700 جنيه خلال منتصف ديسمبر 2025، حيث سجل نحو 5757 جنيهًا للشراء و5777 جنيهًا للبيع، دون احتساب المصنعية، إذ أن هذا المستوى السعري يعكس قوة الطلب، واستمرار النظر إلى الذهب كملاذ آمن في مواجهة تقلبات العملة وارتفاع تكاليف المعيشة.

الذهب، تاريخيًا، يحتل مكانة خاصة في الثقافة الادخارية المصرية، ليس فقط كأداة استثمار، بل كمخزن للقيمة عبر الأجيال. وخلال عام 2025، حافظ المعدن الأصفر على زخمه رغم بعض التحركات العرضية، ولم يشهد تصحيحات حادة، ما عزز ثقة الأفراد في الاحتفاظ به مقارنة بأدوات أخرى.

من الشهادة إلى الصندوق

ارتفاع أسعار الذهب بهذا الشكل دفع البنوك إلى التحرك سريعًا لتجنب فقدان مزيد من السيولة لصالح السوق غير المصرفي. وبدأت بالفعل عدة بنوك في طرح منتجات استثمارية جديدة تعتمد على الذهب، في مقدمتها صناديق الاستثمار في الذهب، التي تتيح للمواطنين الاستفادة من تحركات الأسعار دون تحمل أعباء التخزين أو مخاطر شراء الذهب المادي.

كما ظهرت آليات أخرى للاستثمار في السبائك والمعادن النفيسة عبر منصات رقمية، بدعم من بنوك أو شركات وساطة مالية، في محاولة لدمج الطلب الشعبي على الذهب داخل الإطار الرسمي للجهاز المصرفي.

تعكس هذه الخطوة إدراكًا متزايدًا داخل البنوك بأن المنافسة لم تعد بين بنك وبنك، بل بين أدوات ادخارية تقليدية وسوق سلعي بات أكثر جذبًا للمواطنين.

كشف الدكتور محمد فريد، رئيس  الهيئة العامة للرقابة المالية، أن صناديق الاستثمار في المعادن – وعلى رأسها الذهب، شهدت إقبالًا ملحوظًا من المستثمرين، حيث تجاوز عدد المتعاملين 200 ألف عميل، فيما بلغت صافي أصول هذه الصناديق 2.7 مليار جنيه حتى نهاية أغسطس 2025.

وأوضح فريد أن هذا الإقبال الكبير يعكس ثقة المستثمرين في الأدوات الاستثمارية الجديدة التي تقدمها الهيئة، لا سيما بعد تنظيم المنصات الرقمية للاستثمار في الصناديق العقارية، والتي توفر حلولًا آمنة ومرنة للادخار والاستثمار.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن التحول الرقمي والابتكار المالي يمثلان محورًا أساسيًا في رؤية الهيئة، حيث تسعى من خلالهما إلى تحقيق شمول مالي واستثماري وتأميني عبر استخدام التكنولوجيا الحديثة.

تأثير صعود الذهب على ميزانيات البنوك

صعود الذهب يقلل نسبيًا من جاذبية الشهادات ذات العائد الثابت، خصوصًا لدى شريحة من المستثمرين الباحثين عن تعظيم القيمة وليس فقط تحقيق دخل دوري. ومع ذلك، يؤكد مصرفيون أن الشهادات ستظل عنصرًا أساسيًا في المحافظ الاستثمارية الأكثر تحفظًا، خاصة لدى كبار السن وأصحاب الدخول الثابتة.

في المقابل، يمثل التوسع في صناديق الذهب فرصة للبنوك لتنويع مصادر الدخل، وتحقيق رسوم إدارية واستثمارية، بدلًا من خسارة السيولة بالكامل لصالح السوق الحر.

نظرة إلى 2026

مع دخول 2026، من المرجح أن تتسع خريطة المنتجات الاستثمارية داخل البنوك، لتشمل أدوات أكثر ارتباطًا بالسلع والأسواق، في مقابل تراجع نسبي لدور الشهادات مرتفعة العائد كأداة استثنائية.

يبدو الذهب، في المقابل، مرشحًا لمواصلة لعب دور البطولة، سواء كملاذ آمن أو كأصل استثماري، في ظل استمرار الضبابية العالمية والتقلبات الجيوسياسية.

وفي المحصلة، لا يبدو المشهد صراعًا صفريًا بقدر ما هو إعادة توزيع للأدوار: الذهب يتربع على القمة في جذب الانتباه، بينما ترد البنوك بابتكار أدوات جديدة تحاول من خلالها الاحتفاظ بالسيولة داخل النظام المصرفي، في معركة عنوانها الأبرز: من يحافظ على قيمة أموال المصريين في المرحلة المقبلة؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء