رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
عمرو فاروق- باحث
عمرو فاروق- باحث في شؤون الجماعات الأصولية والأمن الإقليمي

منذ تأسيس جماعة الإخوان عام 1928، ظل العنف جزءًا مركزيًا في بنيتها الفكرية والتنظيمية، وإن حاولت مرارًا التبرؤ منه علنًا. هذه "التركة العنيفة" لم تكن مجرد انحرافات فردية، بل كانت نتاجًا لموروث أيديولوجي وتنظيمي عميق، شكّل جوهر "الجهاز الخاص" في أربعينيات القرن الماضي، وظهر مجددًا في "لجان العمليات النوعية" بعد 2013، وتكرّس لاحقًا في تشكيلات مثل "حسم" و"لواء الثورة" و"ميدان".

امتلأت رسائل حسن البنا بإشارات صريحة حول مفاهيم العنف والقتال، واعتبر "إعداد القوة" جزءًا أساسيًا من مراحل التمكين، فيقول في رسالة المؤتمر الخامس: "الإخوان سيُعدّون أنفسهم إعدادًا كاملًا لأداء واجب الجهاد وفرض القتال"، وهذا التوجه تجسّد عمليًا في تأسيس "الجهاز الخاص" عام 1940، الذي نفّذ عددًا من الاغتيالات والتفجيرات في الداخل المصري، من بينهم رئيس وزراء مصر محمود فهمي النقراشي، والقاضي أحمد الخازندار.

لم يكن "الجهاز الخاص" كيانًا طارئًا، بل مؤسسة سرية داخل الجماعة، لها قيادة مستقلة وتسلسل هرمي، وتخضع مباشرة لمرشد الجماعة، وقد وُضعت له لائحة تنظيمية، وأُعدّت له معسكرات تدريب على السلاح، وكان يستقطب العناصر الأكثر ولاءً وفهمًا لفكر الجماعة.

ولا شك في أن جماعة الإخوان مهّدت الطريق إلى ظهور مختلف الجماعات المتطرفة على مدار التاريخ الحديث، وأدارت موجات العنف المسلح التي نالت من المجتمعات العربية، واستهدفت الأنظمة السياسية الحاكمة، وفقًا لأدبياتها التي ارتكزت على جاهلية المجتمعات، والدعوة إلى الانعزال عنها شعوريًا، واستخدام القوة في بناء الدول البديلة أو إقامة الخلافة المزعومة.

كانت منطلقات حسن البنا وسيد قطب الفكرية البنية الأساسية التي أثّرت في عقلية الكثير من قادة وأبناء الحركات الأصولية وشبكات العنف المسلح، التي تبنّت المرجعية التكفيرية ذاتها في التعامل مع قضايا أسلمة المجتمعات، وتطويعها لآلياتها وأساليبها، في محاولة فرض سطوتها على ثقافتها الدينية وعاداتها الاجتماعية.

يمثل الفكر القطبي الخيط الرفيع الرابط بين كل تلك الشبكات المسلحة، التي تولدت في الأساس من رحم مشروع حسن البنا، الذي سعى إلى الانتقال بالإسلام كدين من الحالة الدعوية الفكرية إلى الحالة التنظيمية المسلحة، بهدف الاستحواذ على السلطة وبناء الزعامة السياسية.

أثناء تواجده للدراسة في كلية الزراعة بالقاهرة، لعب السوري مروان حديد دورًا مهمًا في تجنيد واستقطاب الشباب إلى تنظيم سيد قطب، وتولى قيادة وتشكيل إحدى الخلايا التابعة لتنظيم (65)، وكان في مقدمتهم محمد بديع (مرشد الإخوان المسجون حاليًا)، وكذلك محمود عزت (نائب المرشد والمسجون حاليًا).

تمكن مروان حديد من نقل المشروع الفكري لسيد قطب إلى سوريا، وقام بتشكيل "الطليعة المقاتلة" عام 1970، التي مثّلت حينها الذراع العسكري لجماعة الإخوان في سوريا، وتسبّبت في انتهاج العنف المسلح ضد النظام السوري في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

عقب انتشار فكر التكفير بين عناصر الإخوان، داخل السجون وخارجها، وانسياق عدد كبير منهم إلى آراء سيد قطب، ومحمد يوسف هواش، وعبد الفتاح إسماعيل، وعلي إسماعيل، ومحمد قطب، مؤلف كتاب "جاهلية القرن العشرين"، وعبد المجيد الشاذلي، وأحمد عبد المجيد عبد السميع، ظهر ما يسمى بـ"التيار القطبي"، وهو تيار تبنّى أدبيات التكفير، ورفض فكرة الصلاة في المساجد باعتبارها معابد جاهلية، وفقًا لوصف سيد قطب في كتاب "في ظلال القرآن"، ونادى بالعزلة الشعورية عن المجتمع.

امتلأت كتب الإخوان وقياداتهم بالكثير من المنعطفات والضلالات الفكرية، التي صيغت جوانبها بهدف تأصيلات محددة، تدفع بمريديها ودراويشها إلى السكون بين جدرانها، مستسلمين ومقدّسين لرؤية مرجعياتهم الفكرية والتنظيمية دون جدال أو نقاش، مقابل منحهم صكوك الغفران.

الكثير ممن سطّروا تلك الأدبيات والأطروحات الفكرية للكيانات والجماعات المتطرفة والمتشددة، وحرّموا الخروج عليها، وألبسوها رداء الشرعية، انقلبوا عليها، ليس انتقادًا لمفرداتها وضوابطها الفقهية، أو لتعاطيها مع المجتمع، أو تراجعًا عن مفاهيمها، بل اختلافًا مع قياداتها تنظيميًا لا فكريًا.

ربما جسّد تلك الإشكالية كل من سعيد حوى، أحد المرجعيات الفكرية لجماعة الإخوان في سوريا، وفتحي يكن، أبرز مؤسسي جماعة الإخوان في لبنان ومراقبها الأسبق، بعد انفصالهما عن الجماعة وكيانها التنظيمي، فتركا إرثًا كبيرًا من المناهج الفكرية والأدبيات التنظيمية التي أصّلت للعمل السري والعنف المسلح، وتحولت إلى مرجع ومنهج لتيارات السلفية الجهادية، دون نقد هذه الأطروحات التي تناقلتها جموع الشباب العربي، واعتُبرت بمثابة قواعد فقهية وفكرية ملزمة في التعامل مع مسارات الحركة الإسلامية بشكل عام.

صاغ سعيد حوى مجموعة من أهم الكتب والمؤلفات القائمة على منهجية سيد قطب وأبي الأعلى المودودي، مثل: "فصول في الإمرة والأمير"، وكتاب "جند الله تخطيطًا"، وسلسلة "الأساس في المنهج"، وسلسلة "فقه الدعوة والبناء والعمل الإسلامي"، وكتاب "جند الله ثقافة وأخلاقًا"، وكتاب "من أجل خطوة إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك"، وكتاب "دروس في العمل الإسلامي".

فيقول في كتابه "جند الله ثقافة وأخلاقًا": "إنّ المسلمين في ردة، ويجب إعادتهم إلى الصواب، وإنّ الخلافة هي النظام الشرعي الوحيد للحكم الإسلامي، فلا بدّ للمسلمين من وجود خليفة واحد قائم بأمر الله، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".

بينما صاغ فتحي يكن مجموعة من الكتب التي وُظفت في تجنيد واستقطاب الشباب، مثل: "ماذا يعني انتمائي للإسلام"، وكتاب "الإسلام فكرة وحركة وانقلاب"، وكتاب "المتساقطون على طريق الدعوة – كيف ولماذا؟"، الذي أفتى فيه بحرمة الخروج من ربقة الجماعة ونقد بيعتها، وكتاب "مشكلات الدعوة والداعية"، وكتاب "أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي"، وكتاب "كيف ندعو إلى الإسلام؟"، وكتاب "المناهج التغييرية الإسلامية خلال القرن العشرين".

يُعد يكن –تحديدًا– أحد من شرعنوا للفكرة التنظيمية، والإيمان بأهدافها، والانصياع لمبادئها ومشروعها، فسطر كتاب "ماذا يعني انتمائي للإسلام"، الذي يتم تدريسه حتى الآن داخل الهيكل التنظيمي الإخواني، بهدف تشكيل عقولهم وأفكارهم وفقًا لرؤية الجماعة وأهدافها المرحلية، والتغلغل داخل المجتمعات العربية، ويحمل الكثير من الأفكار التي تدعو إلى تكفير النظم الحاكمة وتجهيل المجتمعات.

تولى اللبناني الراحل فتحي يكن منصب الأمين العام السابق للجماعة الإسلامية (جماعة الإخوان في لبنان)، لكنه انشق في عام 2006، وأسس جبهة العمل الإسلامي، بعد عشرات السنوات التي قضاها بين جدرانها، تاركًا وراءه الكثير من الكتب التي ما زالت تُدرّس داخل التنظيم باعتبارها مرجعًا مهمًا لأفكار وأدبيات الجماعة وقياداتها.

اختتمها بكتاب "ليت قومي يعلمون"، أبرأ فيه ذمته من التنظيم وقياداته، معلنًا استقالته، بعد أن شبّه قياداته بشخصية "السامري" الذي أضاع الجماعة بقراراته، ويمسك بخيوطها من وراء ستار، وأنهم قيادة الظل التي تتحرك في الظلام.

يشير فتحي يكن في كتابه "ماذا يعني انتمائي للإسلام" إلى أن الشريعة الإسلامية معطلة، وأن النظم والتشريعات الوضعية هي المهيمنة على الشعوب العربية، وأنه لا بد من الانضمام إلى جماعة أو تنظيم إسلامي يسعى بكل قوة للوصول إلى السلطة، حتى يتمكن من تطبيق الشريعة الإسلامية.

حاول يكن تأصيل فكرة الحاكمية، بالتأكيد على أن النظم الحاكمة الحالية هي خليط من التشريعات الرومانية واليونانية والفرنسية الوضعية، التي تخالف في مجملها الشريعة الإسلامية، وأنه فرض عين على كل عناصر الجماعة المشاركة في هدم كل الكيانات والأنظمة التي تدعو إلى تطبيق التشريعات الوضعية، وعدم الاحتكام إليها نهائيًا؛ لأنه كفر صريح بالشريعة الإسلامية وانتقاص من قدرها، حتى تعود القيادة مرة أخرى للحركة الإسلامية (جماعة الإخوان)، وتتمكن من الوصول إلى السلطة الحاكمة في البلاد.

بينما يحمل الجزء الثاني من الكتاب، الذي جاء تحت عنوان "ماذا يعني انتمائي للحركة الإسلامية"، الكثير من الأفكار القطبية التي تنطوي عليها أطروحات تنظيم الإخوان، مثل وجوب العمل الجماعي، ووجوب الانتماء للحركة الإسلامية (جماعة الإخوان)، والانتظام في صفوفها، والالتزام بالسمع والطاعة لقياداتها.

يسهب الكتاب في التلاعب بمشاعر عناصر الجماعة، مؤكدًا ضرورة السمع والطاعة، والالتزام بما تقوله قيادتها، موضحًا ضرورة وجود نظام داخلي هيكلي للجماعة، يقتصر دوره على انتقاء العناصر الجيدة، وتأهيلهم بشكل دوري، وتكوين كوادر قادرة على التعامل المسلح، كنوع من ترسيخ عمل "التنظيم الخاص"، الذي وضع أدبياته حسن البنا عام 1940، وطوّر فكرته سيد قطب وفقًا لمبادئ الحاكمية وجاهلية المجتمع، وضرورة هدم أركان الدولة في حالة صعوبة الوصول إلى السلطة، وتمكين الفئة المؤمنة.

حاول الكتاب أن يؤصل لفكرة تشكيل الكيانات الخاصة لضمان بقاء التنظيم، مثل تشكيل لجان العلاقات الدولية، وقدرة التنظيم على توثيق علاقاته بدوائر صنع القرار الغربي، ما يعزز قوة عناصر الجماعة في التعامل مع الأنظمة المحلية، لا سيما العربية، في حالة عدم التوافق بينها وبين قيادات التنظيم.

إضافة إلى تشكيل الكيانات الاقتصادية، التي تمنح الجماعة قدرة على البقاء والتعامل مع مختلف الأوضاع والظروف التي تمر بها، باعتبارها قوة اقتصادية داخل المجتمعات، ولديها من المقدرة ما يساعدها على التكيف في حالة الدخول في صدام مع الحكومات، والقدرة على استقطاب العناصر الجديدة، والظهور بمظهر الداعم الاجتماعي للمجتمعات العربية.

نوّه يكن إلى ضرورة وجود نظام تربوي لتأهيل العناصر بالمستجدات والمتغيرات الفكرية المتعلقة بالحركة، إضافة إلى نظام خاص مهمته الدفاع والجندية، ويكون قائمًا على الفكرة المسلحة التي تضمن بقاء الحركة وقوتها، وهو ما حدث بالفعل منذ سقوط حكم الإخوان في مصر في 30 يونيو 2013، وتشكيل حركات اللجان النوعية المسلحة، مثل حركة "حسم"، وحركة "لواء الثورة"، وحركة "العقاب الثوري"، و"كتائب حلوان"، وغيرها من الحركات المسلحة التي استهدفت ضباط الجيش والشرطة المصرية على مدار السنوات الماضية.

تطرق الكتاب إلى التأكيد على أحد الأصول المهمة لدى جماعة الإخوان، على مدار تاريخها منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وهو مبدأ "علانية العمل وسرية التنظيم"، الذي جاء تحت بند خصائص الحركات الإسلامية، ويقول فيه: "إنه لا يعني بحال أن تكشف الحركة كل ما عندها من مخططات وتنظيمات، فليس في ذلك مصلحة على الإطلاق، بل جهل بالإسلام وتعريض للحركة ولأفرادها لمكر الأعداء وغدرهم، والقاعدة التي يجب تبنيها هي (علانية العمل وسرية التنظيم)".

وحول فكرة الانتماء للجماعة وترسيخه لدى أفراد التنظيم، ادّعى يكن أن الانتماء للجماعة هو الانتماء للدين، وأن الامتثال لقياداتها هو امتثال لأمر الله، وأن الخروج عن طاعتهم معصية لله، وأن الجماعة ترفض الانتماء العفوي والعشوائي أو الجزئي، فلا بد أن ينتمي الفرد انتماءً كليًا بالجهد والمال والنفس والعقل والعاطفة، وأن مبايعة قيادات الجماعة هي عهد مع الله، وأن نكث هذه البيعة خيانة للإسلام وشريعته.

 عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء