كيف تحوّل «الملح المصري» إلى رهان تصديري جديد ضمن رؤية الدولة للتصنيع؟
سجلت صادرات مصر من الملح أداءً غير مسبوق خلال عام 2025، بعدما بلغت نحو 77 مليون دولار خلال أول 10 أشهر فقط، وهو أعلى مستوى تاريخي يحققه هذا القطاع مقارنة بالفترات المماثلة أو بالأعوام السابقة كاملة، متجاوزًا حصيلة عام 2019 التي سجلت 76 مليون دولار، وكذلك إجمالي صادرات عام 2024 البالغة 75 مليون دولار، بحسب بيانات التصديري للصناعات الغذائية، حيث تشير البيانات إلى أن صادرات الملح حققت معدل نمو سنويا بلغ 27% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، في مؤشر واضح على تحوّل القطاع من نشاط تقليدي منخفض القيمة إلى ملف تصديري واعد على أجندة الدولة.

الملح ضمن رؤية الدولة لتعميق التصنيع وزيادة القيمة المضافة
يعكس هذا النمو المتسارع توجه الدولة نحو تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، عبر التحول من تصدير الخامات الأولية إلى التصنيع المتخصص عالي القيمة، بما يتسق مع مستهدفات رؤية مصر 2030، التي تركز على تعميق الصناعة، وزيادة الصادرات غير البترولية، ورفع مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي، ويُنظر إلى قطاع الملح كأحد النماذج العملية لتطبيق هذه الرؤية، في ظل الفارق الكبير بين قيمة تصدير الخام وقيمة المنتجات المصنعة.
من 22 دولارًا للطن إلى 300 دولار.. الفارق في «التصنيع»
تكشف الأرقام عن فجوة هائلة بين تصدير الملح الخام وتصدير الملح المصنع، حيث بلغ سعر الملح الخام المستخدم في إزالة الجليد للتصدير بسعر تقديري 22 دولارًا للطن، فيما بلغ الملح الغذائي يصل إلى نحو 45 دولارًا للطن، وبلغ الملح المتخصص والمُصنّع قد يتراوح بين 100 و300 دولار للطن، فيما يوجد منتجات متقدمة تدخل في الصناعات الطبية والصيدلانية والمنزلية تصل إلى قيم أعلى، لكنها تتطلب استثمارات تكنولوجية خاصة، وبحسابات القيمة المضافة، فإن الكمية نفسها التي حققت 77 مليون دولار خلال 10 أشهر، يمكن أن تقترب نظريًا من 770 مليون دولار إذا وُجّهت كمنتج نهائي عالي القيمة.
مصر في المركز 14 عالميًا.. وحصة ما زالت محدودة
رغم هذا الأداء الإيجابي، لا تزال حصة مصر محدودة نسبيًا في سوق عالمي تتجاوز وارداته 5.2 مليار دولار سنويًا، حيث تحتل مصر المركز الرابع عشر عالميًا بنسبة تقارب 2.1% من الصادرات العالمية، حيث يبلغ حجم التجارة العالمية للملح نحو 4.7 مليار دولار، بينما يصل الإنتاج العالمي إلى نحو 270 مليون طن سنويًا، تسيطر أكبر 10 دول منتجة على 75% منه، تتقدمها الصين والولايات المتحدة والهند.
تنوع الأسواق.. قوة حالية وتحديات مستقبلية
تتوزع صادرات الملح المصري جغرافيًا بين، الولايات المتحدة بنسبة 25% من الصادرات بقيمة تقارب 19 مليون دولار، وأوكرانيا بنسبة 18% بقيمة نحو 14 مليون دولار، وبولندا: نمو استثنائي 91% بقيمة 4.7 مليون دولار، وساحل العاج بنسبة نمو 142% بقيمة 3.7 مليون دولار، فيما وفي المقابل، تشير التوقعات إلى احتمالات تراجع نسبي في بعض الأسواق التقليدية، ما يفرض ضرورة تنويع المقاصد التصديرية والبحث عن أسواق بديلة أكثر استدامة.

الصين والإمارات في الصدارة.. أسواق المستقبل
وفق أدوات التحليل المعتمدة على بيانات التجارة الدولية، تظهر فرص نمو مرتفعة في عدد من الأسواق، أبرزها، الصين بحجم صادرات محتملة 5.2 مليون دولار، والإمارات بنحو 5 ملايين دولار، والمملكة المتحدة بنحو 3.6 مليون دولار، و الكويت بنحو 2.2 مليون دولار
إلى جانب فرص واعدة في بلجيكا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا، إسبانيا، البرازيل، كوريا الجنوبية، إندونيسيا، والسعودية.
المعرفة والتصنيع.. التحدي الحقيقي أمام المستثمرين
لا يكمن التحدي الأساسي في نقص الطلب العالمي، بل في نقص المعرفة المتخصصة بطبيعة المنتج، واستخداماته، ومتطلبات كل سوق، ومتوسطات الأسعار، وإدارة المخاطر، حيث يبرز هنا دور الدولة والمؤسسات المعنية في نقل المعرفة الفنية، وتنظيم برامج تدريب وورش عمل متخصصة، لضمان دخول استثماري مدروس يمنع التصدير العشوائي، ويحافظ على سمعة المنتج المصري.
تنظيم السوق شرط أساسي لحماية الصناعة
تُعد اشتراطات أن يكون المُصدّر مصنعًا فعليًا جزءًا من منظومة تنظيمية تهدف لحماية الصناعة الوطنية، وضمان الجودة، ومنع المضاربات أو التلاعب، بما يعزز الثقة في الصادرات المصرية على المدى الطويل.
من قطاع ناشئ إلى مليار دولار.. سيناريو قابل للتحقق
تشير المؤشرات إلى أن رفع صادرات الملح إلى 200 مليون دولار بحلول 2026 هدف واقعي، بينما يظل الوصول إلى مليار دولار على المدى المتوسط ممكنًا، شريطة، التوسع في التصنيع المتخصص، و توطين التكنولوجيا، و تنويع الأسواق، وربط القطاع بسلاسل القيمة الصناعية والغذائية

طفرة الملح المصري نموذج مصغر لرؤية الدولة
ما يحدث في قطاع الملح المصري ليس طفرة عشوائية، بل نموذج مصغر لرؤية الدولة في إعادة هيكلة الصادرات، وتحويل الموارد الطبيعية إلى أدوات تنمية حقيقية، قادرة على خلق قيمة مضافة، وفرص عمل، وعملة صعبة، ووضع مصر في موقع تنافسي جديد على خريطة التجارة العالمية.