رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ننشر فصلا من رواية «في روحها لعنة مكبل» للكاتبة إيناس نصر الدين

رواية في روحها لعنة
رواية في روحها لعنة مكبل

صدر حديثًا عن دار “ببلومانيا” للنشر والتوزيع رواية "في روحها لعنة مكبل" للكاتبة السكندرية إيناس نصر الدين، التي تخطو بخطوات ثابتة في عالم الأدب بعد رحلة طويلة مع الحلم والكتابة.

بدأت إيناس رحلتها منذ أكثر من عشرة أعوام، حين حملت فكرة ظلت تراودها طويلاً، إلى أن تحولت إلى أول عمل روائي يحمل توقيعها، لم تكن تلك اللحظة مجرد تجربة أدبية، بل ميلادًا جديدًا لقلم أدرك مكانه بين القرّاء ومحبيه؛ وينشر "إيجبتك" فصلا من هذا الرواية:  

 

صباح يوم الجمعة

الحجرة تعج برائحة البخور العتيقة، تصرخ "نرجس" والدة "مهرة"، في حجرتها كالعادة، قامت تفتح نوافذ الحجرة بعنف لكي يدخل ضوء الشمس في الحجرة تريد أن تزعجها لكي تفيق، ثم قالت بصوت غليظ:
أفيقي أيتها الأستاذة، أفيقي هيا، حان موعد الشيخ "قاسم" سوف يأتي بعد الصلاة ليخلصني من تلك اللعنة التي حلت عليكِ، أعلم أنكِ قابلتِ هذا الوغد مرة أخرى وأنه أثر فيكِ بخرفاته، وأعلم أنكِ ذهبتِ وحدك معه ولم تكن "نهال" معكما، كما أنني على يقين أنكِ تمارسين الكذب، ذهبتِ مع ذلك المجنون إلى ذلك المكان الملعون مرة أخرى.

أنا لم أعد أتحمل عبثك وجنونك  ولا النظرات من الناس، انظري إلى حالك؛ أصبحتِ حبيسة حجرتك كأنك امرأة مسنة طريحة الفراش، أصاب روحك الانكسار إلى متى سيستمر هذا الوضع والأسوأ أن الخوض في الحديث عنكِ أصبح على مرأىً ومسمع من الجميع.

ثم هوت على فخذها براحة يدها بشدة وقالت بضجر: 
- أقسم بربي أول من يطلب يديكِ للخطبة سأزج بكِ له لكي أرتاح من عبثك وثقل همك.
نظرت إليها "مهرة" من أسفل الغطاء وهي متعبة وتأففت من أسلوبها الفظ ثم أزاحت الغطاء في صمت، تريد إخبارها بأن كفي عن التوبيخ يكفي ما جلبته لنفسي. يكفي تلك الخيبة التي حلت بي.
قامت بامتعاض وضمت خصل شعرها المموج، وعدلت من وضع جلستها حاولت أن تتمالك 
أعصابها كي لا تفقدها فهي دائما على شجار معها، ثم نظرت إليها وقالت:
لا تقلقي يا أمي كما أخبرتكِ مرارًا وتكرارًا، سيُفضح أمر عظيم للغاية، هذا ما أخبرني به ذلك الكائن الذي قابلته في الرحلة مع الوغد "مراد"، نعم "مراد" الوغد الذي تركني فريسة هناك ولم يعبأ بأمري، أخبرني ذلك الشيء من تلك العوالم أنني اختِرت ولكن ثمة شيء غير مفهوم، وأخبرني أن أمرًا ما سيفضح ثم سأكون معهم، سآوي إلى عالمهم.
ألقت "نرجس" سائل تنظيف الزجاج الذي كان في يديها وهي تنظف نافذة الحجرة ثم رمقتها بنظرات حادة تنم عن غضب، وأردفت:

- أنتِ ملعونة يا "مهرة"، 
ومقابلتك لذلك الدكتور جعلت منكِ دمية تلتف حول جسدها الشياطين لتعشقها وتبارك جسدها، أنتِ لو كان عندك إيمان قوي ما كان حدث هذا. 
حدجت "مهرة" بأمها بازدراء ثم قالت:
أنتِ تتحدثين عن الإيمان يا أمي! دعي عنكِ ذلك القول، أنتِ مملوءة بالشر والظلام من داخلك يا أمي، أدرك أنكِ تتمنين أن تتخلصي مني دفعة واحدة لكي لا يفضح أمر ما.
احمرّ وجه أمها والغضب اعتلى ملامحها، لكن مع دقات الباب المتتالية والمنقذة للموقف ذهبت "نرجس" مسرعة وتركت من يديها باقي أدوات النظافة، المكنسة التي كانت تنظف بها الحجرة، وقطعة القماش التي كانت تمسح بها الأتربة من   على الأثاث وخرجت مسرعة نحو الطرقة المؤدية لباب المنزل، تراجعت قليلاً تعدل ملابسها وتنسقها وتنظر في المرآة المعلقة على الحائط تنسق الإيشارب الذي تضعه على رأسها.


"قاسم "

وقف يطرق الباب مرات متتالية ويلتفت خلفه يمينًا ويساراً كأنه يفرّ من أعين تلاحقه، فقد انتهت صلاة الجمعة للتو، وأهل المنطقة يمرون من الشارع ويرونه وهو ذاهب عند بيت "نرجس"، هو لا يريد أن يتلمز عليه أحد، لأن أهل المنطقة يعلمون أن "غانم" متوفى ولا يوجد سوى "نرجس، ومهرة" بالداخل.

أتى بجلبابه الأبيض القصير ولحيته القصيرة جدا التي لا تكاد ترى، والتي يخفي وراء كل نبتة شعر منها كومة من الأسرار والخبايا، فتحت له "نرجس" ورحبت به ترحيبًا حارًا:
- تفضل.. تفضل يا شيخ "قاسم". 
دخل البيت وقال بصوته الأجش: 
السلام عليكم كيف حالكم، أخبريني ما بها "مهرة"؟!
يقولها وهو يمسك سبحته ويفر في حبيبات السبحه بعنف
قالت بضيق: لا أظن أنها بخير يا شيخنا، تفضل بالدخول، هي داخل حجرتها.

سار "قاسم" في الممر حتى دخل الحجرة، هو يعرف أركان البيت جيدا كأنه فرد من أفراد العائلة، تنحنح بصوته الخشن فسرعان ما اتخذت "مهرة" ساترًا للرأس أخفت استياءها بالكاد فهي تكره "قاسم"، ولكن عليها تنفيذ أوامر والدتها لكي تتفادى الشجار معها. 

تركتهم "نرجس" وخرجت مسرعة لغرفة إعداد الطعام وقامت بإخراج الأكواب المرصعة بالنقوش الفخمة التي لا تخرج إلا للضيوف، أعدت المشروب الساخن في عجالة وقدمته في أفضل وعاء عندها، ودخلت إليهما.

سحب "قاسم" الكرسي الخشبي وجلس عليه بحوار فراشها وهو يمسك مسبحته، أغمض عينيه ويهتز بجسمه إلى الأمام وإلى الخلف، دنا منها وظل يتمتم بكلمات مبهمة من الترانيم التي لا يفهمها أحد غيره.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء