رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كشفت انتخابات مجلس النواب عن افتقاد الكوادر السياسية المحترفة بنسبة كبيرة، خاصة بعد أن وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي " فيتو " للعملية الانتخابية معلنا عدم رضاه عما يجري في اللجان الانتخابية بين المرشحين والناخبين ووجود تأثير كبير للمال السياسي . 

أظهرت نتائج المراحل التي أعيدت في الانتخابات عن افتقاد كثير من المرشحين القدرة على إدارة حملاتهم الانتخابية باحترافية، ما جعل عدد كبير منهم يتراجع في الترتيب ويفقد موقعه ويخسر السباق الانتخابي . 

في هذه الأجواء بدا المشهد كما لو أن الحياة السياسية خرجت فجأة إلى الامتحان دون أن تتدرب بما يكفي، حملات انتخابية مرتبكة، وجوه جديدة بلا سند تنظيمي، وخطابات سياسية خالية من حرارة الإقناع، بدا الفراغ واضحا، ليس فراغ مرشحين، بل فراغ كوادر سياسية قادرة على حمل الرسالة والاقتراب من الناس بلسان يليق بهم .

أثناء حديث لي في برنامج تلفزيوني سألني المذيع عن هذا الضعف، سألني لماذا تفتقر الأحزاب المصرية إلى الكوادر؟ وجدتني أستعيد إحدى أهم الحقائق التي نعرفها جميعا، في مصر كانت لدينا مدرسة سياسية حقيقية اسمها المجالس الشعبية المحلية، هذه المدرسة كان يتدرب ويتخرج فيها أجيال من القادة ، اختفت المجالس الشعبية المحلية المنتخبة واختفت معها مهارة الممارسة السياسية .

السياسة ليست خطابات تكتب داخل المكاتب، ولا صورا تطبع على الملصقات، ولا وعودا تطلق، السياسة مهارة  إنسانية تكتسب بالاحتكاك المباشر بالناس؛ من معرفة هموم الناخبين ، والجلوس في مجالسهم، والمشي في شوارعهم، والوقوف أمام أبواب المسؤولين دفاعا عن حقوقهم. 

هذه الحرفة كانت تصقل في المجالس المحلية المنتخبة، التي تقدم لأعضائها أول دروس القيادة عبر العمل الحقيقي لا عبر الشعارات، مع غياب تلك المدرسة، انقطعت سلسلة توريث الخبرة، وبدأت الأحزاب تلقي بكل ثقلها على أفراد غير مدربين .

اختفاء الكوادر السياسية يشبه ظاهرة نهر انحسر ماؤه من منابعه، فالكوادر لا تولد فجأة ولا تخلق بقرار، الكوادر تصنع وتصقل عبر قنوات مترابطة، بيئة سياسية تسمح بالمشاركة الحقيقية، أحزاب تمتلك رؤية تدريبية لا تكتفي بالشكل، بل تشتغل بالمضمون، أفراد مؤمنون بالعمل العام، يسعون لمعرفة ويملكون شغفا للتعلم.

عندما تجف هذه القنوات واحدة تلو الأخرى، تظهر فجوة حادة في النوع البشري الذي يبني السياسة، دفعت الأحزاب ثمن سنوات طويلة من الجمود الداخلي؛ فلا تداول للسلطة الداخلية ، هياكل بلا تدريب، لجان شبابية بلا صلاحيات، وفصل بين القيادة والقاعدة لا يتيح انتقال الخبرة، والحزبي الذي يدخل دون أن يجد طريقا للتطور، سرعان ما يغادر أو يصبح رقما صامتا لا يضيف جديدا .

أستعيد تجربة تاريخية الاتحاد الاشتراكي العربي، امتلك ذاك التنظيم أمرا لا يمكن إنكاره ، القدرة على صناعة كوادر من القاعدة إلى القمة، كان التنظيم بمثابة ورشة عمل كبيرة، تكتشف فيها الطاقات، وتبرز الأصوات، وتتشكل شخصيات قيادية عبر الاحتكاك اليومي بالناس. 

كان المعمل السياسي موجودا، وكانت نتيجته جيل سياسي كامل عرف قيمة السياسة وعرف جمهورها، اليوم نفتقد المعمل ، إلا من بصيص أمل وهو الأكاديمية الرئاسية التي تقوم بتدريب وتثقيف الكوادر الشبابية .

إن بناء الكوادر ليس رفاهية، ولا ديكورا انتخابيا، بل ضرورة وطنية، وأي حزب يريد البقاء لا بد أن ينشئ مدرسة حزبية حقيقية، لا مجرد صالون أو نشاط مناسباتي، مدرسة تعلم الشباب فن الخطاب، وإدارة الحملات، وصياغة الرسائل، وفهم التشريعات، وتاريخ الدولة ومجتمعها، مدرسة تعيد توصيل الكادر بالناس، وتعيد للسياسة معناها الإنساني الأول خدمة المواطن.

إلى أن تعود الكوادر، لا بد أن تعود الحياة للمستويات القاعدية للعمل العام، سواء عبر المجالس المحلية حين تعود، أو عبر بدائل حزبية وخدمية تصنع الاحتكاك الحقيقي.

حين تغيب الكوادر، لا تصمت الأحزاب فقط ، بل تصمت السياسة ذاتها. والأوطان لا تستقيم بصمت السياسة، بل بنبضها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء