هناك لحظات لا تُكتب بقدر ما تُنتزع من القلب انتزاعًا، لحظات يتكلم فيها الرجل لا من لسانه، ولا من عقله، بل من أعماقٍ لم يعرف أنها قادرة على الانفجار.
وهكذا جاء خطابه إليها… لا مجرد كلمات، بل اعترافًا ممتدًا على مساحة العمر، يطلّ منه رجلٌ فوجئ بأن الحب قادر على إعادة تشكيله من جديد، حتى وهو يقف على مشارف خريفه.
كان يقول لها: “حبيبتي، كيف أهواكِ أنا… والخريف مني قد دنا؟”
ولم يكن يقصد خريف العمر فقط، بل خريف الروح أيضًا؛ تلك المرحلة التي يظن فيها الإنسان أنه صار محصّنًا من الدهشة، وأن العواطف الكبرى لا تأتي إلا في الربيع الأول من الحياة. لكنها جاءت. وجاء معها ما لم يكن بالحسبان. فأدرك للحظة أن الحب ليس موسمًا، بل زائرًا يُفاجئ أبواب القلب مهما طال الغياب.
كان يسأل نفسه بصدق موجع: ترى لو جئتي بصباي… كيف كان حالي أنا؟
وهو سؤال لا يبحث عن ماضٍ بديل، بل يكشف حجم ما أحدثته في داخله. فهو لم يلتقِ بها في زمن الاندفاع والعفوية، بل في زمن صار فيه أكثر حذرًا، أكثر اتزانًا، أكثر وعيًا… وأكثر خوفًا من أن يهتز قلبه مرة أخرى. ومع ذلك، اهتز. بل أشعلته كما لو أنه لم يعرف الحب من قبل.
يقول لها: “أنا لست سرابًا… ولا قلبي من ضباب… أنا ماءٌ وتراب.”
كأنه يخلع أمامها كل ادعاءات القوة.
كأنه يقول: أنا حقيقي، بسيط، مخلوق من أرضٍ تعرف الثبات ومن ماء يعرف الشفافية، فلماذا — رغم كل هذا — صار قلبي معكِ مضطربًا إلى هذا الحد؟
كيف استطاعت لمستك أن تصيب قلبًا ظن أنه صار محصّنًا؟ وكيف أمكن لحضورك أن يفتح عليه أبوابًا ظن أنها أغلقت منذ زمن؟
هو لا يتهمها بالجرح، ولا يشكو.
بل يندهش.
يندهش من قوة الحب حين يأتي في وقت غير متوقع، من تلك الرعشة التي تسري في الروح دون استئذان، من الفوضى الجميلة التي تصنعها امرأة واحدة حين تقترب أكثر مما ينبغي.
وفي لحظة صدقٍ أخرى، يعترف: “كيف صرتُ إلى هذا الحب أسيرًا؟ فغابت الرؤية واختفت البصيرة.”
لم يكن الأسير هنا ضعيفًا، بل مُنقادًا لما شعر أنه حقه الطبيعي.
أحيانًا لا يختار الإنسان أن يُحب، بل يُختار للحب اختيارًا.
يستيقظ ذات صباح ليجد أن قلبه قد ترك مكانه وصار في يد امرأة واحدة، امرأة لو غضبت اختبأت الشمس، ولو ابتسمت تنفّس الكون.
هو لم يفقد بصيرته كما يظن، بل اكتسب بصيرة جديدة، ترى بها روحه قبل أن ترى الأشياء.
ولهذا قال لها دون مواربة:
“غدا حبك شاغلي… وتوجتِّني على عرش الحب أميرًا.”
وليس كل رجلٍ يصل إلى هذه القوة، ولا كل حبٍّ يمنح التتويج.
فالحب الحقيقي لا يجعل العاشق عبدًا، بل يجعل منه أميرًا على نفسه، على مشاعره، على عالمٍ يتشكّل كما يريد.
ثم تبدأ الحالة بالتصاعد…
تشتدّ النبرة، يتصاعد الشغف، ينكشف الضعف الذي يخشاه الرجال ولا يبوحون به، ليقول لها:
“كفاني من عينيك الشهاب… كفاني منك الاقتراب… كفاني من شفتيك الشراب.”
هي لحظة ذوبانٍ كامل.
إعلان واضح أن حضورها لم يعد مجرد جمال، بل أصبح مصدرًا للسكر العاطفي الذي لا يستطيع مقاومته.
هي كالشهاب: لحظة ألمع من أن تُنسى.
وهي كالشراب: لحظة أعمق من أن تُقاوم.
ثم تأتي جملة تُعرّي كل شيء:
“أه منكِ ومن حبك الحنون… ترى كيف يكون الحب جنون؟”
وهنا يظهر الوجه الحقيقي للحكاية.
فالحنان… قد يكون أحيانًا أشدّ خطورة من القسوة.
والقرب… أشدّ خطرًا من البعد.
والحب الحنون ليس هادئًا كما يبدو، بل هو جنون متخفٍّ في هيئة دفء.
هو لا يخاف من حبها، بل من فِكرة خسارتها.
ولهذا يسأل السؤال الذي يخشاه كل عاشق:
“لو هجرتك يا حبيبتي… كيف حالي بعدك يكون؟”
وهو يعرف الإجابة دون أن يقولها:
أن الصمت سيصبح صراخًا،
وأن المسافة ستصبح وحشة،
وأن الأيام ستعود باهتة كما كانت قبل أن تلامس يديها يده.
ولأنه يدرك ذلك، يختم اعترافه بحقيقةٍ لا جدال فيها:
“لا يا حبيبتي، إنكِ لي باقية… لعيني، لشفتي، لقلبي ساقية.”
هو لا يطالبها بالبقاء.
ولا يستجديها.
هو يصف واقعًا:
أنها صارت جزءًا منه، جزءًا من تكوينه، من ماء قلبه، من الهواء الذي يملأ صدره، من تفاصيله الصغيرة التي لا يراها أحد سواها.
وأن العشق معها لم يعد خيارًا، بل قدرًا.
وسحرًا لا يريد الشفاء منه، لأنه — ببساطة — أجمل ما أصابه.
يقول في النهاية:
“وأنا يا حبيبتي لسحرك مفتون.”
وهناك فرق كبير بين الفتنة العابرة… وبين الفتون.
الفتون امتداد، ثبات، جذورٌ تتعمق يومًا بعد يوم.
هي ليست رغبة… بل مصير.
ليست مشاعر مؤقتة… بل قرار داخلي بأن هذه المرأة هي الجواب الصحيح لسؤال لم يعرف كيف يسأله من قبل.
وفي كل ما كتبه إليها، بدا واضحًا أنه لا يكتب رسالة حب فقط، بل يكتب اعتراف حياة.
يكتب من قلبٍ فوجئ بالولادة من جديد،
ومن رجلٍ ظن أن العمر لن يمنحه فرصة أخرى… فإذا بها تأتيه في اللحظة التي لم يتوقع فيها شيئًا.
هو لم يكتب إليها…
بل كتب نفسه معها.
كتب صورة الرجل الذي صار عليه بعد أن أحبّها،
وترك خلفه كل ما كان… ليبدأ من عينيها عمرًا آخر