رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قبل سنوات كتبت بوست صغيرا من بضع كلمات كانت يقول «اللهم ارحم عبادك من الطبقة المتوسطة»، كتبت ذلك لعدة اعتبارات يمكن تلخيصها في نقاط أولها أن كاتب هذه السطور يعتبر نفسه أحد أفراد تلك الطبقة، ويعاني ما تعانيه ويشعر بما تشعر.


بداية لا يوجد تعريف علمي واضح للطبقة المتوسطة، فغالبا تعرف بأنها الطبقة  الوسيطة في الهرم الاجتماعي، وهي صمام الأمان للاستقرار الاجتماعي والمحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، فوجود طبقة متوسطة قوية ومتوازنة يُعد مؤشرًا على صحة المجتمع وقدرته على الاستمرار والتطور ويحد من معدلات الجريمة.


ويقسّم العلماء الطبقة المتوسطة إلى ثلاث فئات اجتماعية تعتمد كل منها على معايير مختلفة عن الأخرى، فالتعريف الاقتصادي، يربط الطبقة المتوسطة بمستوى الدخل والثروة، ويضعها في نطاق الأسر التي يسمح دخلها بتأمين مستوى معيشي مقبول ولا تعد من الأثرياء.


بينما يركز التعريف الاجتماعي والمهني على طبيعة المهن، لا سيما تلك التي تتطلب تعليمًا متميزًا ومهارات مهنية، وتشغل مواقع إدارية أو مستقلة تمنح أصحابها مكانة اجتماعية متميزة.


أما التعريف الثقافي، فينظر إلى نمط الحياة، ومستوى التعليم، وإمكانية الحصول على الخدمات الصحية، وأنماط الاستهلاك، إضافة إلى القيم الاجتماعية المرتبطة بالحداثة والمشاركة العامة.

وتنقسم الطبقة المتوسطة عادة إلى طبقة متوسطة عليا وتضم أصحاب الدخول المرتفعة نسبيًا والتعليم العالي، مثل الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات والمديرين التنفيذيين وبعض رجال الأعمال.


وطبقة متوسطة دنيا تشمل أصحاب المشروعات الصغيرة، والموظفين الإداريين، والكوادر المهنية التي تعتمد على وظائف مستقرة لكنها أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية.


وتكمن الأهمية الإستراتيجية لهذه الطبقة في دورها المحوري في تحقيق التوازن الطبقي فهي تشكل منطقة عازلة بين الطبقات العليا والدنيا، وتميل بطبيعتها إلى الاعتدال، ما يحد من حدة الاستقطاب والصراعات الاجتماعية.


كما تمثل القوة الاستهلاكية الأكبر في المجتمع، بما يدعم الطلب المحلي، ويحفز الاستثمار، ويشجع ريادة الأعمال. إلى جانب ذلك، تُعد الطبقة المتوسطة المستثمر الأول في رأس المال البشري إذ تولي اهتمامًا خاصًا بالتعليم والتدريب وتحسين المهارات، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة القوى العاملة وقدرة الاقتصاد على المنافسة.


كما ترتبط هذه الطبقة تاريخيًا بتعزيز القيم المدنية، والمشاركة السياسية، ودعم مؤسسات الدولة الحديثة، ما يجعلها عنصرا فاعلا في ترسيخ الاستقرار والديمقراطية والتنمية المستدامة.


.. وبعد كل ذلك نؤكد أن الطبقة المتوسطة تواجه في السنوات الأخيرة تحديا وجوديا لها، فلم تعد تلك الطبقة قادرة على البقاء في موقعها الاجتماعي والاقتصادي وبدأت تتآكل تدريجيا بفعل موجات التضخم المتلاحقة وارتفاع تكاليف المعيشة عليها.


فبينما ظل الدخل النقدي لقطاعات واسعة من هذه الطبقة شبه ثابت أو بطيء النمو، قفزت أسعار السلع الأساسية والخدمات الحيوية مثل الغذاء والسكن والطاقة والتعليم والرعاية الصحية بمعدلات فاقت قدرة الأسر المتوسطة عليها.


هذا الخلل بين الدخل والإنفاق أدى إلى تراجع حاد في القوة الشرائية، ودفع كثيرًا من الأسر إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض للحفاظ على الحد الأدنى من نمط حياتها السابق.


ولا يقتصر أثر التضخم على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية للطبقة المتوسطة ذاتها، إذ يؤدي استمرار الضغوط المعيشية إلى انزلاق شرائح منها نحو الطبقة الدنيا في مقابل تقلص فرص الصعود الاجتماعي.


كما يفرض هذا الواقع تحولات قسرية في أنماط الاستهلاك، إذ يتم التخلي عن الإنفاق على التعليم الخاص أو الرعاية الصحية الأفضل، ما يهدد على المدى الطويل جودة رأس المال البشري الذي تمثله هذه الطبقة.


وفي هذا السياق، يصبح تآكل الطبقة المتوسطة مؤشرًا بالغ الخطورة، لا يعكس فقط أزمة دخل، بل ينذر بخلل أعمق في معادلة الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي، ما يستلزم اتباع سياسات عامة تستهدف حماية هذه الطبقة وتعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط  المحيطة بها من كل جانب.


فقد شهدت مصر في عام 2023 ذروة ارتفاع معدل التضخم السنوي حتى وصل إلى 38% فأحدث ارتباكًا كبيرًا في ميزانيات الأسر، قبل أن يبدأ المعدل في الانخفاض التدريجي في 2024 و2025 نتيجة إصلاحات نقدية، لكنه ما زال عند مستويات تؤثر على الفئات المتوسطة بشكل كبير.


وفق بيانات  الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فقد بلغ معدل التضخم السنوي في فبراير 2025 نحو 12.5% وهو مستوى مرتفع نسبيًا  ويسهم في استمرار الضغوط على الأسر وفقا لتكلفة السلع الأساسية والخدمات، خاصة الغذاء والسكن.


بينما ارتفع التضخم مجددا في بعض الأشهر إلى نحو 13.6 و13.9% في بداية عام 2025، ما يعكس هشاشة القوة الشرائية لدى الأسر التي تعتمد على دخول ثابتة.


في هذا السياق، فإن الضغط التضخمي لا يُقاس فقط بنسبة مئوية في المؤشرات الرسمية، بل يظهر أثره أيضًا في تقليص مساحة الطبقة المتوسطة الاقتصادية والاجتماعية ويشكل تحديًا مركزيًا لاستقرارها وقدرتها على المحافظة على نمط حياة مستقر، الغريب والمستفز أن أسباب التضخم المباشرة تأتي بقرارات حكومية مفاجئة وغير مبررة في معظمها.. ولهذا حديث آخر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء