«ابني ملوش في الحرام».. «إيجبتك» مع أسرة متهم واقعة «التحرش» بالتجمع
في الطريق إلى محطة قطار رمسيس، كانت الخطوات متسارعة، لا تشبه خطوات مسافرين اعتادوا الوداع، بل خطوات لعائلة تهرب من ثقل مدينة تركت في صدورها سؤالاً مفتوحا بلا إجابة.
لحظات الألم تنهش قلوب الأسرة
دقائق قليلة تفصل أسرة المتهم عن مغادرة القاهرة، بعد زيارة نجلهم المحتجز على ذمة اتهامه بـ التحرش بفتاة داخل إحدى محلات "الكوافير" الشهيرة بالتجمع الخامس، تلك الواقعة التي هزت المدينة وأشعلت الجدل.

في تلك اللحظات المرتبكة، رن الهاتف، كان اتصال قصير جمع الأسرة بمحرر «إيجبتك»، لم يتجاوز ترتيبه دقائق، للاتفاق على لقاء خاطف لا يتعدى عشر دقائق، فقط لمحاولة فهم ما جرى من وجهة نظرهم، قبل أن يبتلع القطار المسافة ويطوي صفحة اليوم.
وصلنا إلى مكان اللقاء مسرعا، وكانت الأم أول من لفت الانتباه؛ ملامحها مشدودة، القلق يسبق كلماتها وترتدي عباءة رمادية، يعلوها شال تحاول به اتقاء برد الشتاء، أو ربما برد الخوف الذي بدا أشد قسوة.
دموع تفيض دون بوح
إلى جوار الأم، وقفت شقيقة المتهم، ودموعها لا تعرف طريقا للتراجع، تفيض بصمت أحيانا وبصرخة عالية أحيانا أخرى، تعبيرا عن عجزها أمام ما تصفه بـ«القيود الحديدية» التي كبلت شقيقها ومنعتهم من مساعدته.
لم يكن المشهد سهلا، ارتباك، بكاء، كلمات تتداخل، ووقت يضغط، وبعد محاولات للتهدئة، اصطحبهن محرر «إيجبتك» إلى أحد المقاهي القريبة من المحطة، وهناك كان اللقاء حول طاولة صغيرة، وأمام كل واحدة منهن كوب مشروب ساخن، كأنه محاولة أخيرة لاستعادة بعض الاتزان.
هناك، بدأ الحديث، إذ سردت الأسرة ما تعتبره كواليس الواقعة، وتحدثت الأم بلهجة تجمع بين الرجاء والانكسار، عن ابن تريد عودته إلى البيت، وعن إحساس ثقيل بالظلم يلازمها منذ لحظة الاتهام.
الأسرة تبحث عن حق نجلها
أكدت الأسرة رغبتها في أن يقف أحد إلى جوارهم، لا طلبا للتعاطف، بل كما تقول بحثا عن إظهار الحقيقة ورفع ما تصفه بالظلم.
تقول والدة المتهم إن نجلها التحق بكلية التمريض، لكن ضيق الحال وقسوة الظروف دفعاه إلى ترك مسكنه ومغادرة محافظته متجها إلى القاهرة، باحثا عن فرصة عمل تعينه على إعالة أسرته والعودة إليهم بما يكفي احتياجاتهم.

تضيف الأم أن نجلها، وما إن وطئت قدماه العاصمة، حتى دله أحد الأشخاص على العمل داخل «كوافير رجالي»، رغم أن ذلك لم يكن متوافقا مع مؤهله الدراسي، إلا أنه قبل به اضطرارا، حتى لا يظل بلا عمل، ولسد فجوة العوز التي لاحقته منذ وصوله.
العمل بكوافير السيدات
وبعد فترة وجيزة من عمله في كوافير الرجال، بدأ الشاب بحسب رواية أسرته في البحث عن فرصة أفضل، إلى أن قادته الظروف للعمل داخل كوافير شهير بمنطقة التجمع الخامس.. هناك، التحق بقسم تصفيف شعر السيدات، إلا أن عدم خبرته في هذا المجال دفع إدارة المكان إلى إلحاقه بقسم غسيل الشعر، باعتباره عملا لا يتطلب مهارات خاصة.
شاب لم يعرف للحرام طريق
«ابني ملوش في الحرام.. والله»، بهذه الكلمات بدأت الأم سرد روايتها عن الاتهام الموجه إلى نجلها بالتحرش بإحدى الفتيات، التي لم تتجاوز العشرين من عمرها.
تؤكد الأم أن نجلها لم يرتكب الواقعة المنسوبة إليه، معتبرة أن الاتهام «كاذب»، مشددة على أنها تعرف جيدا تربيته وأخلاقه منذ نشأته.
وقبل أن تكمل حديثها، تدخلت شقيقة المتهم قائلة: «أخويا مش بتاع الكلام ده»، مشيرة إلى أنها توجهت إلى مقر عمله عقب الواقعة، وطالبت إدارة الكوافير بالاطلاع على تسجيلات كاميرات المراقبة التي قالت إنها ستثبت براءته، إلا أن طلبها قوبل بالرفض.
أيام مريرة بشوارع القاهرة
وتتابع الأم حديثها بصوت متعب: «تعبت من النوم في الشارع»، بينما ترتجف من شدة البرد، موضحة أنها تعرضت لتهديدات من أحد الأشخاص، لإجبارها على التزام الصمت وعدم ذكر أسماء أو الحديث عن الواقعة، مؤكدة أنها حاولت بكل الطرق القانونية فك قيد نجلها وإخراجه من المأزق الذي وجد نفسه فيه، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل.

وفي ختام الحديث، وجهت الأسرة نداء إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، والجهات الأمنية المختصة، مطالبة بالتدخل العاجل للنظر في ملابسات القضية، وإعادة الحق إلى أصحابه، وعودة نجلهم إلى أسرته مرة أخرى.
عشر دقائق مرت أسرع مما توقع الجميع، نهضن بعدها متجهات إلى المحطة، يحملن حقائب سفر خفيفة، لكن بقلوب مثقلة بانتظار طويل، لا تعرف نهايته بعد.