دعوة للحوار حول التعامل مع الداخل الإسرائيلي
عقد مركز "باستيت" للدراسات السياسية والاستراتيجية حلقته النقاشية السادسة حول "تطورات الداخل الإسرائيلي"، بهدف استكشاف إمكانية توظيف هذه التطورات لصالح الطرف الفلسطيني والعربي في إدارة الصراع مع إسرائيل في هذه المرحلة الحساسة. وذلك في ظل ما يبدو من ميل ميزان القوى لصالح إسرائيل، خاصةً بعد الضربات الموجعة التي وجَّهتها لجبهة إسناد المقاومة في لبنان، وسقوط النظام السوري الذي كان يمثل ممرًا للدعم الإيراني لهذه الجبهة.

وقد أجمع المشاركون في الحوار على حاجتنا إلى رسم خريطة معرفية جديدة للداخل الإسرائيلي في ضوء تطورات السنتين الأخيرتين بعد 7 أكتوبر 2023، اللتين شهدتا أطول حرب في تاريخ إسرائيل، إذا استثنينا حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية بين عدوان 1967 وحرب 1973. ومعلوم أن هاتين السنتين تركتا تأثيرات مهمة على الداخل الإسرائيلي بسبب صمود المقاومة والشعب الفلسطيني، والخسائر المادية والبشرية التي ألحقتها بإسرائيل (رغم أنها لا تقارن بخسائر المقاومة)، والفشل العسكري والسياسي في حسم الحرب، فضلًا عن حركة الهجرة العكسية إلى خارج إسرائيل. ناهيك بالتطورات المهمة في توجهات الرأي العام الدولي، وبصفة خاصة في الغرب، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة الأمريكية بل وفي أوساط اليهود الأمريكيين أنفسهم.

وقد أدى ذلك كله إلى ظهور توجهات عاقلة لدى قوى سياسية وقيادات سياسية وعسكرية سابقة في إسرائيل، بعضها كان قد وصل إلى مستويات قيادية عليا. ومع أن معظمها لا يؤيد المطالب الفلسطينية والعربية، إلا أنه يتبنى مواقف عاقلة تدعو إلى إنهاء الحرب والانسحاب من غزة، وتقبل من حيث المبدأ حل الدولتين. كما حدثت تحولات في الرأي العام الإسرائيلي اتسمت بعدم الاستقرار من حيث درجة التأييد أو المعارضة للائتلاف اليميني المتطرف الحاكم. وأخيرًا وليس آخرًا، هناك الأصوات القليلة التي اعترفت بجريمة الإبادة الجماعية وفضحتها.

وقد أجمع المشاركون في الحوار على أهمية دراسة التحولات السابقة بغرض معرفة أوزانها النسبية، كي نتمكن من تحديد الأثر الدقيق لها على مجريات الصراع مع إسرائيل. غير أن اختلافًا وقع في وجهات النظر بين من رأوا إمكانية – بل ضرورة – توظيف هذه التحولات في إدارة الصراع مع إسرائيل، وبين من اختلفوا معهم.
فقد رأى الفريق الأول أن ثمة جدوى من العمل على تعزيز التوجهات العاقلة في إسرائيل، على خلفية قبول حل الدولتين كصيغة دنيا لاستعادة الحقوق الفلسطينية. وذلك يتطلب حوارات وتفاهمات من المؤكد أن المجتمع المدني العربي والفلسطيني – بصفة خاصة – هو الأقدر على إدارتها، مع التنسيق الكامل مع المستويات الرسمية العربية وفيما بينها. فضلًا عن أن مساهمة هذه المستويات في بعض الخطوات الموجهة للرأي العام الإسرائيلي يمكن أن تُحدث آثارًا ضخمة في الاتجاه المرغوب.

غير أن الفريق الثاني لم يرَ جدوى من هذا النهج، بسبب حالة التطرف المعروفة عن المجتمع الإسرائيلي، والتي بلغت أوجها في حكومة الائتلاف اليميني المتطرف برئاسة نتنياهو، وضعف القوى التي يمكن أن تكون فاعلة في الدفع نحو تسوية معقولة. ولذلك فإن العمل المباشر لمواجهة السياسة التوسعية العدوانية لإسرائيل هو فقط الذي يمكن التعويل عليه – وهي وجهة نظر تُحترم بطبيعة الحال.


غير أنني أوضحت وجهة نظري المتمثلة في أنه لا يوجد تناقض بين وجهتي النظر السابقتين. فما الذي يمنع من الجمع بين النهجين في إدارة الصراع مع إسرائيل؟ بمعنى أن العمل المباشر لا غنى عنه ولا مفر منه، لكن محاولة التواصل مع العناصر والقوى التي طرأت على مواقفها من الصراع تحولات تقترب بها من المواقف الفلسطينية والعربية لن تضر بالتأكيد، طالما أنها تتم وفق رؤية سليمة وخطة تفصيلية محكمة. وسوف يخضع مردودها لعملية تقييم مستمر، تمكّن من تعديلها إلى الأفضل، وزيادة وتيرتها أو إنقاصها حسب الظروف، أو حتى التخلي عنها إذا تطلب الأمر ذلك.

ويخشى معارضو النهج الثاني أن يكون ذلك سبيلاً لمزيد من التطبيع، غير أن ثمة فارقًا كبيرًا بين "التطبيع" و"الاختراق" – إذا جاز التعبير. فبعض تجارب الأول أعطى دون شك دعمًا لإسرائيل، وبعض التجارب الأخرى كان شوكة في حلقها.



وقد رأيت أن أكتب هذه السطور كدعوة للأكاديميين والخبراء لإثراء هذا الحوار المهم، الذي يتصل بقضية بالغة الأهمية لأمننا القومي.