يتقاطع المشهد السوداني الراهن مع تحولات إقليمية متسارعة تعيد رسم خريطة الحرب ومصادر تمويلها، في وقت تفقد فيه الدولة آخر مواردها النفطية، بينما تتصاعد في الجوار الإثيوبي أزمة سياسية تصنع واقعاً دعائياً جديداً وتؤثر مباشرة على خطوط تهريب الذهب، وتدفق السلاح نحو السودان.
انهيار المورد النفطي…
شهدت منشآت النفط في غرب كردفان ضربات متكررة بطائرات مسيّرة، بعد سقوط حقول "بليلة" و"بابنوسة" في يد مليشيا قوات الدعم السريع، كان آخرها استهداف حقل "هجليج" وهو آخر الحقول الكبيرة التي ظلت تحت سيطرة الجيش حتى يوم الأثنين 8 ديسمبر الجاري، حيث أكد عاملون في قطاع النفط أن الهجمات عطّلت أنظمة تحكّم حيوية ورفعت تكاليف التشغيل، لكن ليس هناك أي معلومات عن الوضع بعد إخلاء الموقع ودخول المليشيات إليه، في وقت تتحدث تقارير عن تنسيق بين المليشيات السودانية وقوات نظامية من جنوب السودان أدى للسيطرة على الحقول دون تدميرها.
معلوم أن فقدان النفط لا يعني تراجعاً في الإيرادات فحسب، بل يمثل انهياراً لركيزة مالية مهمة، ما يفتح الباب أمام اقتصاد موازٍ تديره أطراف مسلحة. ويظهر ذلك في تمدد شبكات الذهب، وتوسع الضرائب غير الرسمية، وتسارع تجارة السلاح والتهريب، وتحول قطاعات النقل والزراعة إلى اقتصاد قائم على سلطة المليشيا لا سلطة القانون.
إثيوبيا… اتفاق سلام "ملتبس" يكشف أزمة أعمق
على الجانب الآخر من الحدود، فجّر إعلان حكومة إقليم أمهرا عن توقيع اتفاق سلام مع حركة فانو الأمهرية أزمة سياسية مكتملة الأركان، فرغم حضور ممثلين من الاتحاد الأفريقي و"إيقاد"، سارعت الحركة إلى نفي الاتفاق ووصفته بأنه “اختلاق سياسي” وأن الشخص الموقّع على الاتفاق لا يمثلها.
خبراء في الشأن الإثيوبي رأوا في الخطوة محاولة حكومية لصناعة رواية سلام غير موجودة، لتقديم الأزمة الداخلية كملف “قابل للاحتواء”، بينما تتوسع سيطرة حركة فانو ميدانياً، هذا التحول الدعائي يعكس ارتباكاً داخل السلطة المركزية الإثيوبية ، ويمنح الجماعات المسلحة قدرة أكبر على توظيف السرديات الإعلامية لتعزيز مكاسبها.
أهمية هذه الأزمة بالنسبة للسودان تتجاوز البعد الإخباري؛ فاضطراب إثيوبيا ينعكس مباشرة على الحدود السودانية الشرقية، ويزيد من تدفق السلاح والمعدات والطائرات المسيّرة التي أصبحت ركيزة في حرب السودان.
تقاطع الأزمات
يشير تزامن انهيار قطاع النفط في السودان وجنوب السودان وتفاقم اضطراب الوضع الإثيوبي إلى ظاهرة أوسع تنذر بتفكك قدرة الدول الثلاث على ضبط مواردها وحدودها، وصعود الأطراف المسلحة كلاعب اقتصادي مستقل، وتمدد اقتصاد الحرب عبر الإقليم.
خنق الاقتصاد الرسمي السوداني يدفع الفاعلين المسلحين للتمويل عبر الذهب والتهريب وفرض الإتاوات، ما يكرّس اقتصاداً لا مركزياً خارج سيطرة الدولة، وانفلات الحدود الإثيوبية يسهّل حركة السلاح والذهب والبشر من وإلى السودان، ويغذي شبكات الحرب.
الدعاية الإقليمية المتصاعدة -من إعلان اتفاق لا وجود له إلى تضارب المؤسسات الإقليمية- تعزز مناخ التضليل الذي يسمح للأطراف بصناعة روايات ميدانية مضللة حول ميزان القوى.
تشابك المصالح الاقتصادية عبر الحدود يجعل السودان جزءاً من شبكة إقليمية تشمل تشاد وإثيوبيا وإريتريا وليبيا، حيث تعمل تجارة الحرب كمنظومة واحدة.
حرب بلا موارد … واقتصاد يطيل عمر الصراع
تكشف التطورات الأخيرة عن دخول السودان مرحلة جديدة من الحرب، تتلاشى فيها موارد الدولة التقليدية، بينما يتضخم الاقتصاد الموازي العابر للحدود، ومع تصاعد الدعاية الإقليمية وتفكك سلطة الدول المجاورة، يصبح إنهاء الحرب مرهوناً بتفكيك شبكة اقتصادية كاملة لا بتوقيع اتفاق سياسي فحسب، وفي ظل هذا الواقع، تتزايد المخاوف من أن يتحول السودان إلى ساحة صراع مفتوحة تُدار مواردها من خارج مؤسسات الدولة، ما يجعل مستقبل الحرب أكثر تعقيداً، ويعزز الحاجة إلى مقاربة إقليمية شاملة لا تعالج نتائج الحرب فقط، بل جذورها الاقتصادية كذلك.