رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين كبح التضخم ودفع النمو.. البنك المركزي يرسم ملامح التوازن النقدي 2026

البنك المركزي
البنك المركزي

يواصل البنك المركزي المصري أداء دوره المحوري كحارس الاستقرار النقدي، مستندًا إلى أدوات مرنة وسياسات مدروسة تمزج بين الحذر والتقدم. ومن خلال تقرير السياسة النقدية للربع الثاني من عام 2025، تتكشف ملامح مرحلة دقيقة تشهد تعافيًا اقتصاديًا تدريجيًا، يقابله انضباط نقدي محسوب يستهدف كبح التضخم دون إعاقة النمو.

البنك المركزي يتوقع نمو الناتج المحلي بنحو 4.8% خلال الربع الثاني

ففي وقت بدأت فيه مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في تسجيل أعلى مستوياتها منذ عامين، مدفوعة بنمو القطاعات الإنتاجية مثل الصناعات التحويلية غير البترولية وقطاع السياحة، يُبقي "المركزي" عينه على مؤشرات الأسعار، في ظل تضخم ما يزال مرتفعًا نسبيًا، لكنه يسير على مسار هبوطي مدروس نحو المستهدف البالغ 7% ± 2% بحلول نهاية 2026.

وعلى صعيد السيولة، يبرز الدور الفني للبنك المركزي في ضبط إيقاع المعروض النقدي، سواء من خلال إدارة سوق الإنتربنك الذي شهد نشاطًا ملحوظًا، أو عبر المتابعة الدقيقة لنمو السيولة المحلية، المتوقع أن يبلغ ذروته المؤقتة عند 24.2% في نهاية 2026، قبل أن يتراجع إلى مستويات أكثر استدامة.

أما في خلفية المشهد، فتقف مؤشرات غرفة مقاصة الشيكات شاهدًا على ديناميكية السوق المصرفي، بتسجيل أكثر من 6 ملايين عملية بقيمة تجاوزت 2.5 تريليون جنيه خلال سبعة أشهر فقط من العام الجاري، ضمن شبكة متكاملة من أنظمة الدفع والتسوية يديرها البنك بكفاءة عالية.

تحت هذا الإطار، يتضح أن السياسة النقدية الراهنة لا تتحرك بردود أفعال آنية، بل وفق رؤية استراتيجية طويلة الأجل، توازن بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات التنمية، وسط تحديات إقليمية ودولية تتطلب يقظة مستمرة وقرارات متزنة.

"المركزي " يتوقع استمرار تعافي الاقتصاد خلال الربع الثاني من 2025

توقع البنك المركزي في تقرير حديث صادر عنه استمرار تعافي النشاط الاقتصادي خلال الربع الثاني من عام 2025، ليسجل معدل نمو مقاربًا للربع الأول من العام ذاته، الذي بلغ 4.8%، في أفضل أداء ربع سنوي منذ الربع الرابع من عام 2022.

وأوضح أن هذا التعافي تقوده بالأساس القطاعات الإنتاجية وعلى رأسها الصناعات التحويلية غير البترولية، إضافة إلى قطاع السياحة.

وأشار التقرير إلى أن النمو المحقق في الربع الأول من 2025 جاء مدفوعًا بالمساهمات الإيجابية لكل من الاستهلاك المحلي وصافي الصادرات، ما يعكس تحسن تنافسية الاقتصاد المصري عقب توحيد سوق الصرف الأجنبي.

فيما أكد "المركزي" أن الضغوط التضخمية من جانب الطلب لا تزال محدودة، في ظل الأوضاع النقدية الحالية واستمرار فجوة الناتج السالبة. كما تبقى الأجور الحقيقية أقل من مستوياتها التاريخية، بما يساهم في كبح الضغوط التضخمية من جهة الأجور.

 يتضمن التقرير أيضًا قسمًا خاصًا عن الآفاق المستقبلية للاقتصاد المصري، يعرض من خلاله البنك المركزي توقعاته بشأن أبرز المتغيرات الاقتصادية، مع مراعاة المخاطر الداخلية والخارجية التي قد تؤثر على المسار الاقتصادي خلال الفترات القادمة.

كما عدل المركزي توقعاته بشأن متوسط التضخم السنوي خلال عام 2025، مرجّحًا أن يتراوح بين 15% و16% بدلًا من التقديرات السابقة التي كانت تشير إلى 14–15%.

وأوضح التقرير أن معدلات التضخم مرشّحة للاستقرار النسبي خلال النصف الثاني من العام الجاري، قبل أن تبدأ مسارًا هبوطيًا تدريجيًا خلال عام 2026.

كما توقع البنك المركزي أن ينخفض متوسط التضخم السنوي في 2026 إلى ما بين 11% و12%، على أن يصل إلى المستوى المستهدف البالغ 7% ± 2% بنهاية الربع الرابع من العام نفسه، في ضوء السياسة النقدية الحالية، بحسب التقرير.

وأظهرت بيانات يونيو 2025 تراجعًا ملحوظًا في معدلات التضخم، إذ انخفض التضخم العام إلى 14.9%، بينما تراجع التضخم الأساسي إلى 11.4%، مدفوعًا بانخفاض أسعار الغذاء وتباطؤ الضغوط التضخمية غير الغذائية.

ارتفاع نشاط سوق الإنتربنك بنسبة 14% في النصف الثاني من 2024/2025

ورغم هذا الانخفاض، أشار البنك المركزي إلى أنه فضل التريث في اتخاذ مزيد من إجراءات التيسير النقدي، وذلك لمتابعة تأثير التشريعات الاقتصادية الجديدة، وعلى رأسها تعديلات ضريبة القيمة المضافة.

كانت لجنة السياسة النقدية قد قررت، في مايو 2025، خفض معدل الإيداع لليلة واحدة من 25% إلى 24%، بينما أبقت اللجنة على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع يوليو، دعمًا لاستقرار الأسعار ومراقبة تطورات السوق.

أكد البنك المركزي المصري أن معدلات التضخم ستظل مرتفعة نسبيًا خلال 2025، على أن تبدأ في التراجع التدريجي خلال 2026، ضمن سياسة نقدية تستهدف تحقيق التوازن بين كبح التضخم من جهة، ودعم تعافي النشاط الاقتصادي من جهة أخرى.

وتوقع البنك المركزي المصري أن يرتفع معدل نمو السيولة المحلية ليبلغ نحو 24.2% بنهاية السنة المالية 2025/2026، مدفوعًا بتحسن صافي الأصول الأجنبية، في ظل الأداء القوي لإيرادات السياحة والتعافي المرتقب في إيرادات قناة السويس.

وأوضح البنك في تقرير السياسة النقدية للربع الثاني من عام 2025، أن هذا الارتفاع في السيولة يُعد مؤقتًا، مرجحًا أن يتراجع معدل النمو إلى نحو 19.9% بنهاية العام المالي التالي 2026/2027.

المركزي المصري" يتوقع ارتفاع السيولة المحلية إلى 24.2% بنهاية 2026

أرجع التقرير تباطؤ نمو السيولة في العام المالي 2026/2027 إلى الانخفاض المتوقع في صافي المطلوبات على الحكومة، وذلك في إطار استمرار الدولة في تنفيذ إصلاحات مالية، لاسيما من جهة تعزيز الإيرادات العامة، ضمن استراتيجية لضبط أوضاع المالية العامة.

وأشار التقرير إلى أن تحسن صافي الأصول الأجنبية، نتيجة تراجع عجز الحساب الجاري وارتفاع تحويلات العاملين بالخارج، سيسهم في الحد من حدة تباطؤ نمو السيولة على المدى المتوسط.

في سياق متصل، كشف البنك المركزي عن تسوية 6.040 مليون عملية شيك بالجنيه المصري عبر غرفة مقاصة الشيكات خلال الفترة من يناير وحتى يوليو 2025، بقيمة إجمالية بلغت 2.559 تريليون جنيه.

وتوزعت التسويات الشهرية على النحو التالي  345.3 مليار جنيه في يناير، و 335.8 مليار جنيه في فبراير،  357.5 مليار جنيه في مارس، و 354.3 مليار جنيه في أبريل، و370.6 مليار جنيه في مايو، و362.0 مليار جنيه في يونيو، 434.5 مليار جنيه في يوليو.

وخلال العام السابق (2024)، أتم البنك المركزي تسوية 10.270 مليون عملية شيك بقيمة إجمالية بلغت 3.580 تريليون جنيه عبر غرفة المقاصة.

يُشار إلى أن البنك المركزي المصري يتولى إدارة وتشغيل نظام مقاصة الشيكات بالجنيه المصري والدولار واليورو داخل مصر، ويشرف على تنظيمها وحل المشكلات المتعلقة بها، من خلال نظام التسوية اللحظية (RTGS). ويتم تداول نحو 50 ألف شيك يوميًا داخل النظام.

تعكس هذه المؤشرات التزام البنك المركزي بسياسة نقدية متوازنة، تقوم على دعم الاستقرار النقدي ومتابعة نمو المعروض النقدي ضمن مستهدفات متحكم بها، بما يراعي التغيرات في مؤشرات الاقتصاد الكلي دون الإضرار بنشاط السوق أو تعافي الاقتصاد.

نشاط ملحوظ في سوق الإنتربنك خلال النصف الثاني من 2024/2025 بزيادة 14%

كما أعلن البنك المركزي أن سوق الإنتربنك سجل ارتفاعًا بنسبة 14% في أحجام التعاملات خلال النصف الثاني من السنة المالية 2024/2025، مقارنة بالنصف الأول من العام نفسه، في ظل تشدد السيولة لدى البنوك، ما دفعها إلى الاعتماد بشكل أكبر على هذا السوق لتلبية احتياجاتها التمويلية العاجلة.

وأوضح "المركزي" أن المعاملات لليلة واحدة لا تزال تستحوذ على الحصة الأكبر من النشاط في سوق الإنتربنك، في مؤشر على الدور الحيوي الذي تلعبه هذه الآلية في ضمان السيولة السريعة للبنوك داخل الجهاز المصرفي.

في المقابل، سجلت المعاملات ذات الأجل تراجعًا نسبيًا خلال الفترة نفسها، مما يعكس تغير أولويات البنوك في ظل السيولة المشددة، وتفضيلها للتمويل قصير الأجل عبر أدوات أسرع وأكثر مرونة.

يعكس هذا النشاط المتزايد في سوق الإنتربنك حرص البنك المركزي على إدارة السيولة في السوق المصرفية بدقة، كما يكشف عن استمرار البنوك في التكيف مع المتغيرات النقدية من خلال أدوات تمويلية قصيرة الأجل تساعدها على الالتزام بمتطلبات السيولة والاحتياطي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء