رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

طه حسين والشعر الجاهلي.. 100 عام من الجدل والصدام مع التراث

طه حسين
طه حسين

لم تنتهِ الجدل حول كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" بعد مرور مئة عام على صدوره، وما زالت الثقافة العربية عالقة في سجالات مماثلة حول علاقة التراث بالبحث العلمي، والعلاقة بين الدين والسياسة، وهو ما يفتح باب النقاش مجددًا حول إعلان معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين مطلع العام المقبل، الذي قرر الاحتفاء بالكتاب إلى جانب اختيار نجيب محفوظ شخصية المعرض.

صدر الكتاب في طبعة أولى عام 1926، ولم تحسم الثقافة المصرية أيًّا من الأسئلة التي أثارها طه حسين حينها، فهي أسئلة تتعلق بكيفية قراءة التراث وفهمه، ومدى مصداقية ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي، وهو ما يجعل الكتاب منطلقًا للبحث العلمي في الأدب واللغة العربية، ومحاولة لإعادة النظر في العلاقة بين ما هو ديني وما هو سياسي، خصوصًا في مرحلة كانت البلدان العربية تخرج من حكم عثماني طويل وتبدأ رحلتها مع الاستعمار الحديث، وتبحث عن هوية ثقافية وأدبية تمثلها.

الشعر الجاهلي

أحدث كتاب "في الشعر الجاهلي" صدمة واسعة عند صدوره، إذ أعلن طه حسين أن معظم الشعر الجاهلي لم يُكتب في عصره الأصلي، بل كتب أو جُمّع في العهد الإسلامي بعد الفتح، لأسباب سياسية أو قبلية، وأن الكثير من النصوص التي تُنسب إلى شعراء مثل طرفة، وعنترة، وإمرئ القيس لا يمكن أن يكون قد قيل أو أذيع قبل القرآن الكريم، وأن الشعر الذي يمثل الحياة اليومية للعرب الجاهليين يظهر بشكل أفضل في شعر الفرزدق وجرير وذو الرمة والأخطل، وهو ما يعني أن معظم ما وصلنا من شعر جاهلي ليس دقيقًا تاريخيًا أو لغويًا أو فنيًا.

المنهج العلمي

وقد اعتمد طه حسين في تحليله على مذهب الشك الديكارتي، الذي يشكك في صحة كل الموروثات التاريخية حتى تثبت صحتها بالأدلة والشواهد، ويطبق هذا المنهج على الشعر الجاهلي في محاولة لتفكيك السرديات المستقرة وإعادة قراءة التراث بموضوعية نقدية، وهو ما جعله يضع أسس البحث العلمي في الدراسات الأدبية واللغوية في مصر والعالم العربي.

رد الأزهر

لم تمر الطروحات الجريئة بدون ردود فعل قوية، إذ قدم شيخ الأزهر محمد الخضر حسين بلاغًا رسميًا ضد طه حسين، متهمًا إياه بالإساءة إلى الشعر العربي والتراث، كما رفعت بعض الصحف والمثقفين مذكرات رسمية ضده، وأدى الضغط إلى سحب الكتاب من الأسواق وإعادة نشره لاحقًا بعنوان "في الأدب الجاهلي" بعد حذف المقاطع المثيرة للجدل، وهو ما يعكس حجم المعركة الثقافية والفكرية التي أثارها الكتاب في ذلك الوقت، والتي لم تقتصر على الأكاديميين بل امتدت إلى السياسة، حيث تدخل سعد زغلول في الأزمة وهدد بالاستقالة من البرلمان لضمان سحب استجواب النواب من حزب الوفد، احتجاجًا على الضغوط الممارسة على طه حسين، بينما استقال أحمد لطفي السيد، رئيس الجامعة، احتجاجًا على فصل طه حسين من منصبه كرئيس لكلية الآداب عام 1932، وعاد طه حسين إلى منصبه فقط بعد تولي حزب الوفد الحكم عام 1936.

المحاكمة القضائية

تولت النيابة التحقيق في البلاغات المقدمة ضد طه حسين، وكان النائب محمد نور هو المسؤول عن المرافعة والتحقيق، والتي كشفت لاحقًا عن طريق الروائي خيري شلبي في كتابه "محاكمة طه حسين"، حيث وثّق تفاصيل المعركة القانونية والأدبية، وانتهت القضية إلى براءة طه حسين لعدم ثبوت أن محتوى الكتاب قصد منه الإساءة المتعمدة للدين أو للقرآن الكريم، وقد تم تعديل بعض المقاطع وحذفها، مع تغيير عنوان الكتاب إلى "في الأدب الجاهلي" لتفادي المزيد من الجدل، وهو ما يعكس التوازن الذي حاول القضاء تحقيقه بين حرية البحث العلمي وحماية التراث الديني والثقافي.

كتب الرد

لم يقتصر الأمر على التحقيق والمحاكمة، بل استمر الجدل الفكري والأدبي لفترة طويلة، حيث ظهرت العديد من الكتب التي ردت على أطروحات طه حسين، من أبرزها: "تحت راية القرآن.. المعركة بين القديم والجديد" لمصطفى صادق الرافعي، و"نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لمحمد الخضر حسين، و"نقد كتاب في الشعر الجاهلي" لمحمد فريد وجدي، و"النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي" لمحمد أحمد الغمراوي، و"الشهاب الراصد" لمحمد لطفي جمعة، وقد ركزت جميع هذه الأعمال على الدفاع عن التراث العربي والإسلامي ورفض التشكيك في صحة الشعر الجاهلي كما ورد في المصادر التقليدية، معتبرين أن محاولة طه حسين تقديم قراءة نقدية تتسم بالشك والتحقيق تمس الثوابت الثقافية والدينية.

الخلاف المستمر

حتى اليوم، يبقى الخلاف بين العلماء والمثقفين مستمرًا، حيث يرى المؤيدون لطه حسين أنه رائد النقد العلمي الحديث للتراث، وأنه وضع أسس البحث العلمي الموضوعي في الأدب واللغة العربية، بينما يرى المعارضون أن كتابه يقلل من قيمة التراث العربي والإسلامي ويؤثر على الهوية الثقافية، وهو خلاف يعكس الصراع الدائم بين التجديد والتمسك بالموروث، ويجعل من مئوية كتاب "في الشعر الجاهلي" فرصة لإعادة النظر في تلك المعركة الفكرية، ومناقشة الحرية العلمية، والفصل بين الدراسة الأكاديمية وبين الأيديولوجيا، مع الحفاظ على احترام الموروث الثقافي العربي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء