رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

منذ مطلع الألفية الجديدة، ومع الطفرة التكنولوجية الهائلة التي أحدثتها تطبيقات الإنترنت المدعومة بالتطور الكبير في شبكات الاتصالات وأجهزة المستخدمين بأنواعها المختلفة، شهد العالم ولادة تطبيقات جديدة غيّرت ملامح التواصل الإنساني الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على حد سواء، إنها شبكات التواصل الاجتماعي التي بدت كأداة للتواصل بين الأهل والأصدقاء أولًا ثم تحولت إلى  أداة لتحرير الكلمة، وجسر بين الثقافات، ومتنفس للشعوب لتبادل الأخبار وللتعبير، لكنها، مع مرور الوقت، تحوّلت من مجرد وسيلة للتقارب إلى أداة لتأجيج الخلافات وأحداث توترات العلاقات الدولية، المفارقة أن الوسيلة التي وُجدت لتقريب المسافات أصبحت اليوم أحد أسباب التوتر بين الدول، ومصدرًا متجددًا لعددا من الأزمات الدبلوماسية.

 

والحقيقة أنه لم تكن شبكات التواصل الاجتماعي في بداياتها معنية بالسياسة الدولية، كان الفيسبوك وسيلة للتعارف، وإكس -تويتر سابقًا- مساحة للآراء، ويوتيوب منصة للإبداع والمعرفة، لكن حين بدأت الحكومات تدرك التأثير العميق لتلك الوسائل على الرأي العام، تحوّل المشهد. فظهرت الجيوش الإلكترونية، وبدأت الكيانات تستخدم الحسابات المزيفة كأداة للتأثير في الكيانات المنافسة، فدخل العالم عصر “الحرب الرقمية” التي لا تُدار بالمدافع، بل بالتوجيه المعلوماتي، بغض النظر عن مدى صحة ما يتردد من عدمه، و منذ ذلك الوقت، صار الفضاء الإلكتروني ساحة مفتوحة لكل أنواع الصراع،  دعائي، نفسي، واستخباراتي،  فلم تعد العلاقات الدولية تعتمد فقط على القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل أصبحت رهينة لتغريدة، أو فيديو، أو حتى تعليق عابر قد يشعل أزمة،  فبينما كان السفراء سابقًا يتحدثون في القاعات المغلقة، صار المواطن العادي قادرًا اليوم على التأثير في السياسة الخارجية من خلال ما ينشره أو يعيد نشره.

وبالنظر إلى الماضي، نجد أن العلاقات بين الدول كانت تُدار وفق أعراف راسخة من السرية، التفاوض، واللياقة الدبلوماسية وبعض من وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، أما اليوم، فقد تغيّر كل ذلك؛ حيث أصبحت الدبلوماسية تُمارس علنًا، عبر حسابات رسمية وغير رسمية، وبأسلوب لا يخلو من الاستعراض أحيانًا. نرى وزراء خارجية يغردون كما لو كانوا نشطاء، وسفراء يردّون على بعضهم البعض في العلن، كما أصبحت الكثير من التصريحات والرسائل السياسية يتم نشرها عبر تلك الشبكات قبل أن تصل إلى وسائل الإعلام التقليدية التي باتت تستقى الأخبار والرسائل من تلك الشبكات نظرا لسهولة النشر وسرعة الانتشار.

 

ولكن الرياح لا تأتي دوما بما تشتهى السفن، فتغريدة واحدة قد تُحرج دولة بأكملها، أو منشور غير محسوب قد يُشعل أزمة بين حليفين، والاشتباك بين مستخدمين من دول مختلفة قد يؤدي إلى ارتفاع حدة الصراع والمفارقة أن سرعة التواصل، التي كانت من المفترض أن تساهم في حل الخلافات، صارت تسهم في تعقيدها، فبدلًا من منح الوقت للتهدئة والتفكير، تُغري السرعة الأطراف بالرد الفوري، فيتحول الحوار إلى تراشق، والمعلومة إلى سلاح.

 

وبالرغم من تعريف العالم لمفهوم “القوة الناعمة” على أنه القدرة على التأثير من دون استخدام القوة العسكرية، عبر الثقافة والإعلام والتعليم، فإنه مع صعود شبكات التواصل، نشأ نوع جديد يمكن تسميته بـ“القوة الفوضوية”؛ قوة لا تخضع لضوابط، ولا تتحكم فيها الدول بقدر ما يتحكم فيها المستخدمون، أو بالأحرى “الجموع الرقمية وفى هذا السياق، يمكن لأي حملة إلكترونية، سواء كانت حقيقية أو مصطنعة، أن تغيّر صورة دولة في عيون العالم خلال ساعات،  فيكفي أن تنتشر مقاطع أو أخبار سلبية أو مغلوطة أو شائعة صغيرة  حتى يتكوّن رأي عام دولي ضاغط ومع صعوبة التحقق من المصادر، أصبحت الحقيقة نسبية، وتحوّلت الأكاذيب المنظمة إلى أدوات فعّالة في تشويه السمعة الدولية، هذه “الفوضى الرقمية” هزت العلاقات الدولية في أحد أهم أركانها: الثقة.

وفى الحقيقة لا يمكن إغفال البعد النفسي في تحليل الظاهرة، فشبكات التواصل لم تغيّر فقط طبيعة الاتصال بين الدول، بل غيّرت مزاج الشعوب وطريقة تفكيرها، فالجمهور الذي كان يتابع الأحداث عبر القنوات الرسمية، أصبح اليوم يعيشها لحظة بلحظة، ويشارك فيها. هذا التداخل بين “الشعب” و“الدولة” في ساحة مفتوحة جعل الحكومات أكثر حساسية تجاه الرأي العام، وأحيانًا أكثر تسرعًا في اتخاذ المواقف.

خذ مثلًا الأزمات التي تشتعل بسبب مقاطع فيديو أو تصريحات فردية، كيف تتحول في غضون ساعات إلى حملات دولية للمقاطعة أو الانتقام، هنا لم تعد الدولة تتخذ قراراتها بناءً على الحسابات السياسية الباردة، بل تحت ضغط الغضب الشعبي الذي تصنعه شبكات التواصل وهكذا، صارت السياسة الخارجية أسيرة “مزاج لحظي” يتغير مع كل منشور أو تريند جديد.

ولعل من أخطر ما أنتجته شبكات التواصل هو “تغذية الاستقطاب”، فخوارزميات هذه المنصات مصممة لتُبقي المستخدم أطول وقت ممكن، عبر تقديم المحتوى الذي يثير مشاعره أكثر من المحتوى الذي يُثري عقله والنتيجة أن المستخدم يرى فقط ما يؤكد قناعاته المسبقة، فيتعزز الانقسام. هذا الانقسام، على مستوى الشعوب، يمتد بالضرورة إلى العلاقات بين الدول لذلك يمكن القول إن الخوارزميات تحولت إلى صانع خفي للأعداء، ومهندس للصور النمطية، فبدلًا من تقريب الشعوب وفهم الثقافات المختلفة، ساهمت المنصات في تعميق الصور السلبية. الدول لم تعد تُعرف بواقعها، بل بما يظهر عنها في المقاطع القصيرة والمنشورات المتداولة، وغالبًا ما تكون تلك الصور مجتزأة ومبالغًا فيها.

ولا يمكن إغفال أن وراء هذه الظاهرة مصالح اقتصادية ضخمة. فشركات التكنولوجيا العملاقة – التي تملك وتدير هذه المنصات – أصبحت تمتلك قوة تتجاوز بعض الدول، قراراتها في حذف أو إبقاء محتوى وفي ترويج أو تقييد حساب، قد تغيّر مسار حدث سياسي أو حتى نتيجة انتخابات فهذه الشركات، التي تعمل وفق منطق السوق والربح، باتت تمتلك سلطة غير خاضعة لأي مساءلة دولية حقيقية. وهنا يظهر خطر جديد: أن تتحول العلاقات الدولية من صراع بين دول إلى صراع داخل فضاء تتحكم فيه كيانات خاصة، لا دولية ولا محايدة، بالرغم من أن الحرية في فضاء التواصل قيمة عظيمة، لكن حين تُمارس بلا ضوابط، قد تتحول إلى فوضى مدمّرة، حين لا نجد خطوط فاصلة بين “النقد” و“التحريض”، أو بين “الرأي” و“التشهير”. وأمام هذا الواقع، تجد الدول نفسها أمام معضلة صعبة، كيف تحمي صورتها ومصالحها من الهجمات الرقمية والإجابة ليست سهلة، لأن المشكلة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت ثقافية وأخلاقية.

 

وهنا نصل إلى السؤال الذي يطرح نفسه، هل يمكن إصلاح العلاقة بين شبكات التواصل والعلاقات الدولية، فربما لا يمكننا العودة إلى زمن السرية الدبلوماسية القديمة، لكن يمكن على الأقل بناء إطار جديد يحكم هذا الفضاء، المطلوب ليس إغلاق المنصات، بل جعلها أكثر شفافية ومسؤولية والمطلوب أيضًا أن تدرك الدول أن إدارة صورتها لم تعد شأنًا إعلاميًا فقط، بل جزء من أمنها القومي. كما يجب أن يتطور وعي الشعوب لتفرّق بين ما يُنشر لمصلحتها، وما يُنشر لتوجيهها.

فالعلاقات الدولية، التي كانت تقوم على موازين القوة والسياسة، باتت اليوم تتشكل أيضًا تحت تأثير التفاعلات المجهولة في اغلبها وهذه مفارقة لم يعرفها التاريخ من قبل: أن يصبح مستقبل الأمم رهينًا لخوارزميات لا تعرف الأخلاق، ولا تفهم سوى لغة التفاعل، لأننا وصلنا إلى مفارقة مؤلمة فالتكنولوجيا التي وعدتنا بالحرية والتقارب، هي ذاتها التي قد تُقربنا من هاوية سوء الفهم والصراع فهل سنملك الشجاعة والعقل لنُعيد توجيه هذا التيار، قبل أن يجرفنا جميعًا؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء