رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مفاوضات برلين للسلام تأتي في لحظة مفصلية من الحرب بين روسيا وأوكرانيا، التي دخلت عامها الرابع، في ظل تداعيات سياسية واقتصادية ضخمة على أوروبا والعالم، هذه الجولة تمثل محاولة دولية لإيجاد إطار شامل لإنهاء الصراع بعد فشل جولات سابقة في تحقيق اختراق ملموس، وهو ما يعكس صعوبة التوفيق بين المطالب الأوكرانية، الضغوط الغربية، والمصالح الاستراتيجية الروسية.

الميزة الأساسية لهذه الجولة هي إدارة المفاوضات أساسًا من قبل أوكرانيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية، بينما تظل موسكو في موضع المتلقي، وهو ما يوضح مدى التعقيد العميق المرتبط بمصالح روسيا الاستراتيجية، والتي تشمل النفوذ العسكري، السيطرة على مناطق الغنية بالموارد، وتأثيرها على أسواق الطاقة العالمية والتجارة الأوروبية.

حتى الآن، أظهرت المفاوضات زخمًا دبلوماسيًا غير مسبوق نسبيًا منذ بداية الحرب، المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف أعلن عن تقدم كبير في مناقشة خطة السلام التي تتضمن نحو 20 نقطة أساسية، تشمل الأمن والدفاع، الاقتصاد، وإعادة الإعمار، وقد استمرت النقاشات لساعات طويلة، مع جدول أعمال مستمر لاستكمال البحث، وهو ما يعكس جدية الأطراف الغربية في محاولة بناء إجماع دولي يدعم استقرار أوكرانيا ويمنع تفاقم الأزمات الاقتصادية، بما فيها ارتفاع أسعار الطاقة وتأثر أسواق المال الأوروبية.

أبرز ما يتركز عليه الحوار هو الضمانات الأمنية لأوكرانيا، الولايات المتحدة أعربت عن استعدادها لتقديم ضمانات قوية تشبه مبدأ المادة الخامسة للناتو، وهو تحول مهم إذ كانت أوكرانيا تعتبر العضوية في الناتو الضمان الأقوى لمستقبلها، هذه الضمانات لا تمثل مجرد حماية عسكرية، بل تحمل بعدًا اقتصاديًا واستثماريًا، إذ إن استقرار أوكرانيا يعني استقرار خطوط الطاقة والأسواق التجارية التي تعتمد عليها أوروبا، كما يمنح المستثمرين ثقة أكبر في البيئة الإقليمية بعد سنوات من الحرب وعدم اليقين.

رغم التقدم في الضمانات، يظل الخلاف الجوهرى حول الأراضي، حيث أكدت أوكرانيا أنها لن تعترف بأي سيطرة روسية على أراضيها، خصوصًا في دونباس والمناطق التي تحتلها روسيا منذ بداية الحرب، بالمقابل، تصر موسكو على إبقاء أوكرانيا خارج الناتو، وهو شرط يعتبره الكرملين جوهريًا لحماية مصالحه الاستراتيجية والاقتصادية في أوروبا الشرقية، بما يشمل خطوط الغاز والطاقة. هذا التعارض يعكس أن السلام لا يمكن أن يكون فقط سياسيًا، بل مرتبطًا بالاقتصاد والنفوذ الإقليمي، ما يزيد صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل.

الدور الأوروبي كان فعالًا، حيث عبر القادة الأوروبيون عن دعمهم لضمانات أمنية تشمل إنشاء قوة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية لتأمين وقف إطلاق النار وإدارة الأزمات المحتملة، إضافة إلى آليات للرصد والاستجابة لأي تهديدات مستقبلية. هذا التوجه يُظهر إدراك أوروبا أن السلام المستدام يحتاج إلى أطر مؤسسية وأمنية مستمرة، لا يقتصر على مجرد اتفاق مؤقت، ويؤكد أن أي فشل في التوصل لاتفاق سيؤدي إلى تداعيات اقتصادية مباشرة على الأسواق الأوروبية وأسعار الطاقة، وربما يزيد من الضغوط على الاستثمارات الأجنبية في المنطقة.

روسيا حتى الآن لم تُبد موقفا واضحا، وما يعلنه الكرملين يشير إلى انتظار التفاصيل الرسمية من الجانب الأميركي بعد انتهاء الجولة، ما يعني أن ما يحدث في برلين هو إعداد لإطار مقترح يمكن تقديمه لاحقًا لموسكو وليس اتفاقًا نهائيًا بمشاركة كاملة من جميع الأطراف. تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن اتفاقية السلام قد تكون أقرب من أي وقت مضى تعكس تفاؤلًا مشروطًا، لكنها تؤكد أن العقبات الأساسية، مثل الأراضي والضمانات الأمنية، ما زالت قائمة.

 

من جانبها، أوكرانيا تواصل التأكيد على ضرورة حصولها على دعم دفاعي مستدام، وهو موقف يعكس حذرًا متوازنًا بين الرغبة في السلام والتمسك بالسيادة الوطنية، خاصة مع استمرار الحرب وتأثيراتها على الاقتصاد المحلي وسلاسل الإمداد، ويرتبط هذا الموقف بشكل مباشر بالاقتصاد الأوروبي والعالمي، إذ إن استقرار أوكرانيا يشكل عنصرًا حيويًا لاستمرار تجارة الحبوب، الطاقة، والموارد الصناعية.

يمكن القول إن مفاوضات برلين تمثل مرحلة حاسمة من الدبلوماسية السياسية والاقتصادية الدولية، حيث ترتبط القضايا الأمنية مباشرة بالاقتصاد الأوروبي وأسواق الطاقة العالمية، وأي نجاح أو فشل سيحدد اتجاه الاستثمارات وحركة التجارة واستقرار الأسواق المالية. التقدم في الضمانات الأمنية يشكل نقطة إيجابية، لكنه وحده غير كافٍ دون حل تفاوضي يرضى عنه جميع الأطراف، بما في ذلك روسيا، لضمان استقرار سياسي واقتصادي طويل الأمد ومنع أي تفاقم للنزاعات المستقبلية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء