سهير المصادفة: غزو التكنولوجيا غير شكل الترجمة|خاص
شهدت الترجمة تراجعًا كبيرًا خلال الثلاثين عامًا الماضية، وذلك مقارنة بفترة وجود كبار الأدباء مثل نجيب محفوظ وغيره ممن تمت ترجمة أعماله إلى عدد من اللغات، فضلًا عن السير التي ترجمت إلى الفارسي وغيرها، كنتيجة طبيعية بعد إعجاب الغرب بهذا التراث الأدبي المصري.
قالت الدكتورة سهير المصادفة شاعرة وروائية وباحثة ومترجمة، إن شكل الترجمة اختلف تمامًا عن ذي قبل، وكان السبب في ذلك هو غزو التكنولوجيا، فأصبح معظم المترجمين الشباب لا يطبقون قواعد الترجمة أو معاييرها، وبالتالي اختلفت قوانينها، وكان سببًا في ذلك الترجمة الجاهزة على المواقع، ما جعلت الترجمة تتم في مستواها الأول، أي سريعة ولديها طابع الذكاء الاصطناعي.
وأوضحت «المُصادفة»، في تصريح خاص لـ«إيجبتك»، أنه لا يوجد وجه مقارنة بين الترجمة في هذا الوقت وسابقًا، قائلةً: «نحن نعيش الآن في فيضٍ من الذكاء الاصطناعي».
لكل قاعدة استثناء
وأضافت، أن هناك بعض المترجمين الشباب الجادين المنتبهين يراجعون هذه الترجمات السريعة، والبعض الآخر لا ينتبه لضرورة المراجعة بعد الترجمة وبالتالي تكون الترجمة شديدة الركاكة.
الذكاء الاصطناعي
وأكدت، أنه من أهم أسباب التراجع في الترجمة، اليسر ووجود الذكاء الاصطناعي، وكثرة مواقع الترجمة، قائلةً: «كان هناك Google Translate جوجل ترانسلوت فقط، وأصبح اليوم الكثير من مواقع الترجمة، ومعظم المترجمين يستعين بها في الترجمة».
أزمة الترجمة والمترجم
وتابعت: «لدينا الكثير من كليات ومعاهد الترجمة والتعليم الجيد، إلا أن أزمة الترجمة والمترجم مختلفة، قائلة "نحن نترجم ويصل إلى أيدينا نصوصًا كلاسيكية للترجمة مثلًا نصوصًا أدبية لـ بوشكين، وعندما نتعثر في معنى كلمة ما فلابد من الرجوع للقاموس الروسي مثلًا لمعرفة جذور هذه الكلمة، لأن القاموس يعطي المزيد من المفردات، على عكس جوجل ترانسلوت الذي يعطي الترجمة الحرفية للكلمة دون الانتباه إلى خلفيات ثقافية أو شعبية للكلمة، ورغم أن البعض يلجأ لمواقع الترجمة في شبابه إلا أن هناك من يحاول تطوير ذاته ويلتزم بالترجمة الأمينة».
واختتمت: «من أبرز الأسباب المباشرة في عدم فوز أديب عربي بعد نجيب محفوظ بجائزة نوبل، أن الدول الأخرى لا تعرف الأدباء الموجودين، ثانيًا: كل دول العالم تدعم ترجمة الأدب، ولذلك لابد إعطاء ترجمة الأدب العربي الأولوية كما السابق، ففي وقت نجيب محفوظ لم يكن هناك حفلات توقيع أو حشود، وإنما كان التركيز على العمل البحثي في الجامعات الغربية، والآن رغم إتاحة كل السبل للمعرفة بالكتاب وصاحبه، إلا أن العمل الأكاديمي الغربي لا يهتم بترجمة الأدب العربي ومن ثم تختفي ترجمة الأدب ليس فقط من قائمة جوائز نوبل وإنما قوائم الجوائز الكبرى».
ترجمة الأعمال العربية
قال الدكتور خيري دومة الناقد والمترجم، إن قديمًا كان يتم ترجمة الأعمال العربية إلى أكثر من لغة الإنجليزية والفرنسية وغيرها، وفي السنوات الثلاثين الماضية اتسعت أكثر حركة الترجمة لتشمل الفارسي والصيني والياباني، مضيفًا أن هناك أعمال كثيرة تمت ترجمتها من الفارسي مثل «رباعيات الخيام».
وأضاف دومة في تصريح لـ«إيجبتك» إن حركة الترجمة اختلفت فكانت في أيام محمد علي "متصلة"، كي يستكمل الناس حياتها، أي كانت الترجمة تركز على كتب الطب والزراعة على وجه الخصوص، واتسعت فيما بعد لتشمل المجالات الأخرى، فالعلوم الإنسانية لم تبدأ بجدية إلا في أوائل القرن العشرين، قائلًا: "ترجمة الأدب مر بكثير من المراحل بداية من مدرسة الألسن مرورًا على ترجمة أعمال طه حسين الذي ألّف الـ 1000 كتاب الأولى في أواخر الخمسينيات والتي ترجمت الكثير من العلوم الإنسانية.
المركز القومي للترجمة
وأشار: ظهور حركات ترجمة مختلفة في الدول مثل مشروعات الإمارات وقطر وتونس والكويت وغيرها من البلدان، وذلك على على غرار المركز القومي للترجمة.
وأضاف: وعن مراجعة الترجمة، لفت إلى وجود مراجعة دائمة حول هذه الترجمات وهذا ما يكتب على أغلف الكتب، وهناك بعض الأعمال التي لا يتم مراجعتها بعد الترجمة، وهناك أيضًا كتب يتم عمل تقييم لمترجميها، إذ يتم الاستعانة بأحد المختصين في المجال لعمل مقدمة معينة حول الكتاب الذي يتم ترجمته، وحتى بعض الكتب التي تم ترجمتها يتم تقييمها ووضع مقدمة وكيفية الاستفادة من هذا الكتاب، فضلًا عن الاستعانة بكبار المترجمين، وبالنسبة للترجمة التحريرية فهي موجودة حتى الآن أيضًا.
نشاط حركة الترجمة
وتابع: حدث نشاط عظيم في ترجمة الأدب العربي بعد فوز نجيب محفوظ في ذلك الوقت، ولكن الآن وحتى يمكن ترجمة الأدب العربي إلى لغات أخرى، فهذا يتطلب وجود أديب راسخ معروف وله باع في العمل الأدبي، مضيفًا وهناك انتقال كبير بين جيل نجيب محفوظ وما قبله والجيل الحالي، الذين لديهم طرقهم في الوصول للمترجمين الأجانب، وهذا الأمر يحتم وجود فكرة التواصل بين الثقافات المختلفة لفتح أبواب الترجمة.
واختتم قائلًا: “الواقع يعكس حركة إغلاق في الترجمة في الـ 15 سنة الأخيرة، عكس حركة الانفتاح التي حدثت أيام نجيب محفوظ الذي يقوم بعمل مؤتمرات ويدعو فيها من دول العالم لحضور هذه المؤتمرات، قائلًا: "حركة الترجمة في البلدان الأخرى أصبحت أقل بسبب الوضع الاقتصادي، وهذا عامل من العوامل بالإضافة الى عدم الانفتاح على العالم وخاصة بعد ثورات العالم العربي، في كل المؤسسات مما لعب دورًا كبيرًا في التراجع والانغلاق”.
الترجمة والذكاء الاصطناعي
قالت الدكتورة دينا مندور مترجمة وباحثة متخصصة في الترجمة الأدبية، إن الترجمة اختلفت كثيرًا في ظل وجود الذكاء الاصطناعي، ولكنه لم يحل محل المترجم تمامًا، وهناك مجالات كثيرة يمكن الاعتماد فيها على الذكاء الاصطناعي مثل الترجمة المهنية.
وأوضحت “مندور”، في تصريح لـ "إيجبتك"، إن حركة الترجمة قد تكون تراجعت في الآونة الأخيرة في ظل وجود الذكاء الاصطناعي، ولكن هناك كُتاب مازالوا يتبعون قوانين ومعايير الترجمة السليمة.
الزمن السائل
وأضافت: "وما جعل كل شيء يتغير هو الزمن الذي أصبح تغيراته سريعة"، قائلة: "الزمن في السنوات الأخيرة أصبح ما يطلق عليه بالزمن السائل ومن سماته التغيرات المستمرة وليست فقط السريعة، وبالتالي فإن التغيرات فيه متلاحقة وبالتالي لا يتمكن الأديب من ملاحقة التغيرات التي تطول الأدب، مستكملة: وليس بالضرورة أن يكون كل كُتاب العالم قادرين على ملاحقة هذا التغيير، ومن الممكن التركيز على لون معين من الأدب، حتى نستطيع الكتابة الأدبية ومن ثم ترجمتها".
واختتمت: "يرجع السبب في عدم حصول أحد الكُتاب أو الأدباء على جائزة نوبل بعد نجيب محفوظ، لأن المجتمع حاليًا أصبح لديه الكثير من القضايا المجتمعية وأصبح كاتب اليوم مهموم بهذه القضايا، وعلى النقيض الكُتاب الذين حصلوا على جوائز لم يكونوا منشغلين بالقضايا المحلية لمجتمعاتهم، وإنما بالمشكلات الإنسانية التي تمس الإنسان في كل زمان ومكان، وهذا البعد كان حاضرًا لدى نجيب محفوظ في كتاباته الأخيرة، فنجيب محفوظ كان عنده بُعد سرمدي في كتاباته وبالتالي حصل على نوبل".




