لأول مرة منذ فترات بعيدة نجد هذا التشابك والاتصال الوثيق في بوتقة واحدة فعالة بين البحث العلمي ومجتمع الصناعة، وهذا ليس جديدا على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي برئاسة الأستاذ الدكتور أيمن عاشور، الذي نجح من وجهة نظري في تأسيس لعهد جديد، هو عهد الابتكار ولأول مرة أيضًا نتحدث عن ثقافة تصدير المعرفة بدلًا من استهلاكها، وهو ما كنا اعتدنا عليه خلال العقود الزمنية الماضية.
فعلى مدار يومين بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي وأكاديمية البحث العلمي شهدت العاصمة الجديدة حدثًا استنثنائيًا تمثل في انطلاق فعاليات المعرض الدولي لتسويق مخرجات البحوث والابتكار IRC EXPO حيث استضافة أكاديميات البحث العلمي العالمية في اجتماع يعقد كل 3 سنوات، وهذه المرة كان في مصر للترويج للابتكارات المصرية، وذلك كله ضمن خطوات تعزيز مكانة وريادة مصر للبحث العلمي في المنطقة والقارة بأكملها ويتضح ذلك في تصنيفات ومؤشرات المعرفة العالمية.
من وجهة نظري، يمكن استغلال “السيمينارات” العلمية التي تُعقد في الجامعات داخل كافة الأقسام العلمية بالكليات لصالح مبادرة تحالف وتنمية بوزارة التعليم العالي، كأداة محورية لتحويل البحث العلمي من نشاط أكاديمي تقليدي إلى قيمة مضافة حقيقية واقتصاد معرفة، وذلك من خلال عدة مسارات عملية متكاملة أولها ربط السيمينار بالمشكلة الوطنية لا بالموضوع النظري حيث ينبغي أن تُبنى “السيمينارات” حول تحديات واقعية في (الصناعة، الزراعة، الصحة، الطاقة، والتحول الرقمي)، مع دعوة ممثلين من القطاعات الإنتاجية لعرض مشكلاتهم الفعلية، هنا يتحول “السيمينار” من منصة عرض أبحاث إلى غرفة تفكير لحل المشكلات، وثانيها إشراك الصناعة والمجتمع المدني كشركاء لا كضيوف حيث أن وجود رجال الصناعة، رواد الأعمال، وممثلي المجتمع المدني داخل السيمينار يخلق لغة مشتركة بين الباحث والسوق، ويُسهم في توجيه البحث العلمي نحو منتج قابل للتطبيق أو خدمة قابلة للتسويق، وهو جوهر اقتصاد المعرفة.
ومن وجهة نظري البحثية المتواضعة أيضًا علينا تحويل مخرجات “السيمينار” إلى مشروعات قابلة للتمويل فكل “سيمينار” يجب أن ينتهي بخريطة طريق بحثية ومقترحات مشروعات تطبيقية وفرق بحث متعددة التخصصات، ثم تُحال هذه المخرجات مباشرة إلى حاضنات الأعمال أو مكاتب نقل التكنولوجيا أو برامج التمويل التابعة للتحالف، بالإضافة إلى تدريب الباحثين على لغة الاقتصاد والابتكار فمن المهم أن تتضمن “السيمينارات” جلسات قصيرة حول حماية الملكية الفكرية وإعداد دراسات الجدوى وتأسيس الشركات الناشئة وبذلك نُعيد تشكيل عقلية الباحث من “منتج ورقة علمية” إلى “صانع قيمة”.
أعيد عليكم بعضا من حديث الدكتور أيمن عاشور أمام رئيس الوزراء، والذي كشف خلاله عن خريطة وطنية للتحول نحو اقتصاد المعرفة حتى 2030، وإطلاق السياسة الوطنية للابتكار المستدام لجعل مصر مركزًا إقليميًا للابتكار، وقفزة في أعداد الباحثين المصريين المدرجين ضمن أفضل 2% عالميًا بقائمة ستانفورد من 396 إلى 1106، وأن مصر تحتل المركز الـ25 عالميًا في “سيماجو” بأكثر من 41 ألف بحث مستشهد به، وأكثر من 53% من الأبحاث المصرية تُنشر في مجلات Q1 الأعلى جودة عالميًا، والقاهرة ضمن أفضل 100 تجمع علمي وتكنولوجي عالميًا والمتصدرة أفريقيًا وعربيًا، ومصر ثالث أكبر دولة في الشرق الأوسط في استثمارات الشركات الناشئة بـ2 مليار دولار.