التكنولوجيا في مواجهة المدفع.. الجيل زد بنيبال يتحدى الحظر الرقمي بانتفاضة دموية
في مطلع سبتمبر الجاري، وجدت حكومة نيبال (الدولة الواقعة في قلب جنوب آسيا بين الصين والهند) نفسها على حافة انفجار سياسي بعد إصدارها قراراً رسميًّا بفرض حظر شامل على أكثر من 26 منصة تواصل اجتماعي، من بينها فيسبوك وX وإنستجرام ويوتيوب، وهو القرار الذي فجّر غضب الجيل زد "Gen Z" (مواليد منتصف التسعينيات حتى 2010) الذي تعوَّد على أن هذه المنصات هي نافذته ومُتنفَّسه الوحيد على العالم.
من غضب إلى ثورة
بحلول يوم 8 سبتمبر اكتظت شوارع العاصمة كاتماندو (التي يتجاوز سكانها المليون نسمة) بآلاف الشباب، بعضهم يرتدي زي المدارس والجامعات، في مسيرة سلمية، سرعان ما تحولت إلى مواجهات دامية؛ بسبب التعامل الأمني الغاشم معهم، من إطلاق الغاز المسيل للدموع إلى الرصاص الحي.
وفي اليوم التالي وصل حصيلة الضحايا إلى 51 قتيلاً وأكثر من 300 مصاب، واشتعلت النيران في مبنى البرلمان ومنازل أبرز السياسيين.

استقالات جماعية
وثالث أيام الاحتجاجات، استقال رئيس الوزراء "كيه. بي. شارما" وعدد من الوزراء، ورفعت الحكومة الجديدة الحظر عن مواقع التواصل الاجتماعي؛ في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، إلا أن الأمور لم تهدأ، بل امتدت الاحتجاجات إلى مدن عديدة؛ مما اضطر الجيش إلى فرض حظر تجوال شامل يوم 10 سبتمبر.

سبب حظر منصات التواصل الاجتماعي
أثار تريند عالمي اسمه "عيال نيبو" غضب الحكومة النيبالية، وهو يعني عيال المشاهير الذين يتباهون بنشر صور من حياتهم المرفهة، وفي المقابل يعاني فئة كبيرة من الشعب الفقر المُدقِع، وتفاعل جيل زد مع التريند، وفعَّلوا هاشتاج أطقوا عليه "عيال نيبو في نيبال"، وانتشرت الفيديوهات على نطاق واسع، فقرَّرت الحكومة النيبالية حظر جميع مواقع التواصل التي ليس لها مكتب معتمد في البلاد؛ كشرط تعجيزي، وبالفعل رفض جوجل وميتا.
بعد الحظر فتح جيل زد vpn، وتجمعوا على منصة ديسكورد “ discord”، واتفقوا على النزول إلى شوارع العاصمة والتنديد بالحظر، وكان احتجاجًا عاديًّا، لكن تعامل الشرطة لم يكن عاديًّا، فسقط قتلى ومصابين.

خلفيات الأزمة
الأحداث التي تفجرت لم تكن مفاجئة، وإنما كانت رد فعل طبيعيًّا لتدهور الوضع الاقتصادي الهشِّ للبلاد، الذي يعتمد بشكل أساسي على تحويلات المغتربين، بالإضافة إلى ارتفاع معدل بطالة؛ ليتجاوز 20% بين 2022 و2023، كما شهدت نيبال حكومات كثيرة متعاقبة منذ إلغاء النظام الملكي سنة 2008، ولم تستطع حكومة واحدة أن تستكمل فترتها الدستورية، وكان القاسم المشترك بينها جميعًا هو اتهامها بالفساد والمحسوبية؛ مما أفقد الشباب ثقته فيها.

الربيع الآسيوي والاستنساخ من الربيع العربي
ما وقع في نيبال أشبه بسيناريو الربيع العربي، وكأنه استنساخ منه، فثورة الجيل Z في نيبال لم تكن بمعزل عن جيرانها، فقبل هذه الثورة بعامين شهدت سريلانكا احتجاجات مشابهة أطاحت بحكومتها، وفي العام الماضي كانت انتفاضة الطلاب في بنجلاديش، وهي نماذج تُظهِر للعالم أجمع قوة الجيل الجديد المؤثرة في المجتمع ونظام الحكم، الذي يجيد استخدام التكنولوجيا ضد نخب تقليدية غاشمة، ويكشف ديمقراطياتها الهشة، ويضعها في اختبار صعب.

ما الخطأ الذي ارتكبته حكومة نيبال؟
المسمار الذي دقته حكومة نيبال في نعشها هو أنها أرادت تقليد الصين بفرض ضوابط صارمة على منصات التواصل الاجتماعي، ولكنها غفلت عن أن التنين الآسيوي أوجدَ بدائل محلية، وهو الدرس الذي يجب أن يتعلمه جيرانها وحكام العالم.
وماذا بعد؟
لا يمكن لأحد أن يُخمِن ما سيحدث في ظل التصعيد الجماهيري أمام البطش الأمني، ورغم الدعوات لتشكيل حكومة انتقالية يرأسها شخصيات قضائية نزيهة، إلا أن البلاد ما تزال في فورانها.