سعدية بن سالم: التعليم القاعدة الأولى لأي نهضة ثقافية حقيقية|حوار
- «يحدث أن نختار» رواية عن المساحات الرمادية بين الحرية والقسر
- العزلة في روايتي ليست مكانًا بل حالة نفسية
- الأدب سلطة ناعمة لا تنتج إلا الجمال
- الثقافة العربية تمر بمرحلة حرجة بسبب غياب التواصل والتبادل
*********************
سعدية بن سالم كاتبة وباحثة وناقدة تونسية، وأستاذة مساعدة في الجامعة التونسية، وُلدت بمدينة دقاش بالجريد التونسي، وتلقت تعليمها حتى المرحلة الثانوية بدقاش حصلت على الإجازة في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب برقادة بالقيروان، كما نالت درجة الماجستير في تعليمية اللغة العربية من المعهد الأعلى للتربية والتكوين المستمر ببوشوشة - تونس 2008.
وفي الحوار خاص لـ"إيجبتك":، تتحدث الدكتورة سعدية بن سالم، والكاتبة والباحثة والناقدة، وتفتح نوافذ متعددة على تجربتها الإبداعية والفكرية، بداية من روايتها «يحدث أن نختار»، إلى رؤيتها لوضع الثقافة العربية، وعلاقة الأدب بالسلم الاجتماعي، وثقافة الطعام، ودور التعليم والإعلام، وصولًا إلى مفهوم «المشترك الأدبي» بوصفه أساسا لبناء الوعي الجمعي؛ وفي يلي نص الحوار معها:
- ما الذي دفعكِ لكتابة رواية «يحدث أن نختار»، ولماذا اخترتِ العزلة والجزيرة، وما عن جوهر أزمة شخصية محمد؟
هذه الرواية خرجت من تأملي الطويل في فكرة الاختيار، وفي المساحات الرمادية التي يتحرك فيها الإنسان بين ما يريده فعلًا وما يُدفع إليه قسرًا بفعل العائلة والمجتمع والظروف.
الجزيرة تمثل العزلة الداخلية قبل أن تكون مكانًا جغرافيًا، وهي صورة للنفس حين تنسحب من العالم محاولة فهم جراحها، أو الهروب من ضجيج الآخرين؛ أزمته الحقيقية هي الفقد وسوء الفهم، فقدُ الأم أحدث شرخًا عميقًا، وسوءُ تأويله لمواقف الأب والإخوة عمّق شعوره بالوحدة والظلم.
- الأم الريفية حاضرة بقوة في الرواية، والطفولة والذاكرة والريف كيف ترين ذلك؟
أردتُ للأم أن تكون صورة صادقة للمرأة الريفية العربية؛ إمرأة تعمل بصمت، تؤمن بالعلم، وتصنع المستقبل دون خطابات أو شعارات، والطفولة والذاكرة عنصران أساسيان في النص، لأن الطفولة لا تمضي كما نظن، هي تظل ساكنة فينا، والتفاصيل الصغيرة التي نعتقد أنها عابرة هي التي تشكل وعينا لاحقًا.
أما الريف يحمل نقاءً إنسانيًا وطبيعة ساحرة، لكنه في الوقت ذاته قد يكون قاسيًا بعاداته الصارمة ونظرته القاسية للمرأة والحب.
- من هي «عائدة بن يحي» وما الذي تمثله في الرواية؟
عائدة: وجه آخر للألم الإنساني، امرأة دفعت ثمن الغيرة والطمع داخل العائلة، و هي مثال على كيف يمكن للأقربين أن يتحولوا إلى مصدر قهر، كلاهما ضحية منظومة أسرية واجتماعية قاسية، غيرة الإخوة، صراع الأرض، وغياب الأم في لحظة حاسمة من العمر.
- اعتمدتِ على تداخل الأصوات السردية، لماذا هذا الاختيار، وماذ تقصدين بعنوان الرواية ؟ كيف تحبين أن تُقرأ هذه الرواية؟
لأن الحقيقة الواحدة لا ترى من زاوية واحدة، فتعدد الأصوات يمنح القارئ فرصة أوسع لفهم الشخصيات دون أحكام جاهزة، أردتُ طرح سؤال، هل نحن أحرار حقًا في اختياراتنا؟ أم أن حريتنا محدودة بسقف المجتمع والخوف والتنشئة؟ الاختيار أحيانًا وهم، وأحيانًا شجاعة مؤلمة.
أحب القارئ أن يتأنى قبل أن يحكم، وأن يفهم أن خلف كل تصرف إنساني حكاية ألم غير مرئية، فالرواية دعوة للتفهم لا للإدانة، كما أحب أن تقرأ بهدوء، وأن يترك القارئ مسافة بينه وبين أحكامه المسبقة، لأنها رواية عن الإنسان قبل أي شيء آخر.
- كيف ترين وضع الثقافة العربية اليوم؛ ما أهمية وجود ممثلين ثقافيين في السفارات العربية؟
أعتقد أن الثقافة العربية تمر بمرحلة حرجة، لأن هناك نقص واضح في التواصل الثقافي بين الدول العربية نفسها، وبينها وبين العالم. هذا الغياب للتبادل الثقافي جعلنا أحيانًا غرباء عن بعضنا البعض، وأدى إلى فجوات في الفهم المتبادل.
وجود ممثل ثقافي ليس أمرًا شكليًا، بل هو صلة وصل بين الشعوب، فهؤلاء الممثلون ينظمون الفعاليات، ويقربون بين الثقافات، ويتيحون الفرصة للتعارف الحقيقي بين الشعوب، وعندما يغيب هذا الدور، تصبح الصورة مشوشة، وتترك المجال للسرديات الرسمية وحدها لتشكيل الرأي العام، خاصة في أوقات الأزمات.
- كيف يؤثر غياب التبادل الثقافي على المجتمع؟ ما العوامل التي ساهمت في تراجع الحراك الثقافي العربي؟
كلما انغلقنا على أنفسنا، زاد التطرف والتشدد، لأن الثقافة تفتح القلوب، وتمنحنا القدرة على تقبل الآخر، و حين تنقطع الجسور الثقافية، تنمو العزلة، ومن ثم تبدأ الأحكام المسبقة والضغائن، وهذا خطر على المجتمعات، وهناك عدة أسباب؛ الأزمات السياسية والاقتصادية، الثورات، وتراجع التعليم كلها عوامل لعبت دورًا، و التعليم تحديدًا أصبح يفتقر للمضمون الثقافي الذي يبني الهوية ويعمق الانتماء.
وأعتقد أن الأطفال الذين يشاركون في فعاليات ثقافية مع شعوب أخرى لا ينسون تلك التجارب أبدًا، لأن هذه اللحظات تبقى في ذاكرتهم وتؤسس لجيل أكثر انفتاحًا وتسامحًا، فالثقافة ليست ترفا، بل هي قاطرة تقود المجتمعات نحو الوعي، والحل يبدأ من إعادة الاعتبار للثقافة، وجعلها جزءًا من التعليم والسياحة والسياسة؛ الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا، بل مشروع وطني وقومي،و يجب أن يكون هناك ربط بين وزارات الثقافة والتعليم والسياحة لتفعيل هذا الدور، كما كان الحال في الستينيات والسبعينيات حين كانت الثقافة العربية تعيش عصرها الذهبي.
- كيف تقيّمون واقع المهرجانات والتظاهرات الثقافية العربية؟ وهل كان هناك زمن أفضل للتكامل الثقافي العربي؟
هناك مهرجانات كبرى وناجحة، لكنها تعاني أحيانًا من ضعف التغطية الإعلامية العربية المتبادلة، في حين نجد حضورًا أجنبيًا أو أوروبيًا أوضح من الحضور العربي.
ويعتبر الإعلام شريك أساسي في نقل الفعاليات الثقافية وتسليط الضوء عليها، لكن مع الأسف، في أحيان كثيرة نرى تغطية محدودة أو متأخرة، بينما تحتاج الثقافة إلى حضور إعلامي مستمر حتى تظل في وجدان الناس.
وأفضل زمن للتكامل هوالستينيات والسبعينيات كانت فترة ذهبية، وبعدها جاءت الأزمات السياسية والاقتصادية، ثم الثورات العربية، فحدثت ردة ثقافية وتراجع في التعليم والوعي العام، و لا يمكن لمجتمع أن ينتج مثقفين حقيقيين دون تعليم متين ومناهج مرتبطة بالهوية.
- ماذا يمثّل الأدب بالنسبة لكِ؛ وكيف يمكن للأدب أن يسهم في السلم الاجتماعي والفكري؟
الأدب سلطة ناعمة لا تنتج إلا الجمال، وقد أهدى السينما والتلفزيون أروع ما قدموا، وسيظل أحد أهم مفاتيح فهم الذات والآخر وبناء عالم أكثر إنسانية، فالأدب، بما يحمله من تراكم جمالي وفكري، يمكن أن يكون حصنًا ضد التطرّف والانغلاق، ليس المطلوب خلق أجيال تفكر بالطريقة ذاتها، بل أجيال تمتلك أرضية مشتركة تسمح بالاختلاف دون إقصاء، وتجعل من التنوّع عامل إثراء لا معول هدم.
- في دراستكِ حول «المشترك الأدبي والسلم الاجتماعي والفكري»، ما المقصود بالمشترك الأدبي؟
أقصد بالمشترك الأدبي ذلك الرصيد المعرفي والجمالي الذي يتقاسمه أفراد المجتمع نتيجة تعرضهم لتجارب قرائية متقاربة، خصوصًا خلال سنوات التمدرس، وهذا المشترك يخلق ألفة بين حملة المعرفة، ويحمل حنينًا لفترة الاكتساب الأولى، ويؤسّس لتفاهم عميق بين الأفراد.
- كيف ترتبط الأكلات بالمناسبات والطقوس الشعبية؟
في ثقافتنا، لكل مناسبة طعامها، الأعياد، الموالد، والمواسم الدينية لها أكلات محددة، مثل لحوم الأضاحي والقديد، والحلويات المرتبطة بالمولد النبوي.
- لماذا يحرص الزائر على تذوّق الأكلات المحلية عند السفر إلى بلد جديد؟
لأن الطعام جزء أساسي من ثقافة المكان، حين تسافر لا تبحث فقط عن المعالم، بل عن التفاصيل التي تكشف روح البلد، والطعام هو أقرب هذه التفاصيل وأكثرها صدقا، و قد تتشابه الأكلات ظاهريًا، لكن الخصوصية تصنع الفارق، ففي كل بلد نكهته وطريقته ومناسباته المرتبطة بالطعام، وهذه لا تُستنسخ، مثل أكلة الكشري المصرية.
- لماذا اخترتم الكشري تحديدًا بوصفه أكلة مصرية؛ هل الكشري أكلة متكاملة غذائيًا؟
لأن الكشري أكلة مصرية خالصة، تحمل هوية الشارع والناس، أردنا طعامًا له خصوصية مصرية واضحة، فكان الكشري الاختيار الطبيعي، والمكان يعطي للأكلة قيمة إضافية، ففي «أبو طارق» لا تأكل طبقًا فقط، بل تعيش حكاية؛ تشعر وكأنك تتلقى طبقًا «ملكيًا» له تاريخ وذاكرة، والكشري هو وجبة متوازنة تحتوي على الكربوهيدرات والبروتين النباتي والحديد، ولا تحتاج إلى إضافات كثيرة، لذلك بقيت كما هي دون تغيير يُذكر.
- كيف لعب التاريخ دورًا في تشكيل ثقافة الطعام في القاهرة؟
القاهرة مدينة تراكمت فيها الحضارات، خصوصًا الفاطمية، التي تركت أثرًا واضحًا في الاحتفالات الشعبية والحلويات والموالد، وربطت بين الطعام والدعوة والاحتفال، ومن خلال الطعام نفهم التاريخ، والاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية، فهو مرآة للهوية، وحكاية تروى بالمذاق قبل الكلمات.