رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حين شرعنا في كتابة سلسلة  " قوة مصر العلمية " لم يكن البحث عن عدد المعامل أو حجم المؤسسات ،  بل كان بحثنا عن العقل الذي يدير هذه القوة  والمؤسسة التي تحفظ تراكم الخبرة ، وتحول العلم من جهد فردي إلى مشروع وطني وواقع قابل للتطبيق.


هذا هو ملخص دور " أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا " بوصفها بيت الخبرة المصري  ودار العلماء ، والعقل الاستراتيجي الذي يوجه دفة البحث العلمي لخدمة قضايا التنمية وبناء الاقتصاد القائم على المعرفة.

على مدار أكثر من قرن، صنعت مصر مكانتها العلمية بعقول أبنائها ورصانة مؤسساتها البحثية  واليوم، تمثل الأكاديمية الحلقة المركزية التي تربط بين الباحث، وصانع القرار والصناعة، في منظومة واحدة تسعى لتحويل المعرفة إلى قوة إنتاج.


لمن لا يعرف دور الأكاديمية فهي المكان الذي يلجأ إليه العلماء المصريين لتسجيل اختراعاتهم و تفتح لهم بابين رئيسيين للانضمام إلى منظومتها ، الباب الأول عن طريق عضوية المجالس واللجان النوعية، وهي الذراع الفكرية لصناعة السياسات العلمية، حيث تضم نخبة من العلماء الرواد، إلى جانب باحثين شباب متميزين (غالبا دون سن 45 عاما)، وممثلين عن الصناعة والجهات الحكومية.


تشكل هذه المجالس مراكز تفكير استراتيجية في مجالات حيوية مثل الطب  والهندسة  والزراعة  والطاقة والاتصالات ، ويتم الإعلان عن فتح باب الترشح دوريا عبر القنوات الرسمية، وفق معايير صارمة تعتمد على الكفاءة العلمية  والسجل البحثي  والخبرة القيادية.


أما الباب الثاني فيكون عن طريق المنح والبرامج البحثية وهو المسار الأوسع انتشارا بين الباحثين، والأكثر تأثيرًا في بناء القاعدة العلمية، حيث تقدم الأكاديمية حزمة متكاملة من البرامج التي تغطي مختلف المراحل البحثية.


و تشمل برامج الأكاديمية منح الدراسات العليا (ماجستير ودكتوراه) للشباب المصري  بشروط واضحة أهمها التمتع بالجنسية المصرية، والحصول على مؤهل جامعي بتقدير لا يقل عن جيد جدًا  وحدود عمرية محددة  ويتم التقديم حصريًا عبر الموقع الإلكتروني في المواعيد المعلنة.


أما برامج الزيارات البحثية الدولية (مثل ASRT-STARS) فهي تستهدف أعضاء هيئة التدريس والباحثين الحاصلين على الدكتوراه، وتتيح لهم العمل مع مؤسسات دولية مرموقة، مع تغطية نفقات السفر والإقامة، وبدل شهري قد يصل إلى 2000 دولار، في مجالات التكنولوجيا المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية.


كما توفر الأكاديمية برامج للتعاون البحثي الدولي عبر بروتوكولات مشتركة مع دول متقدمه مثل الصين وغيرها ، لدعم مشروعات في الطاقة والابتكار الأخضر، بتمويل سنوي يغطي النشر العلمي والتنقل والتجارب التطبيقية.


وتتميز الرؤية الجديدة للأكاديمية على تعظيم العائد الاقتصادي للعلم من خلال التحول مباشرة من المعمل إلى السوق بتحويل الابتكارات إلى أجهزة مصنعه بالفعل 
وتجسد ذلك في مبادرات مثل  " معا "  التي تمثل تحولا نوعيا في فلسفة الدعم، حيث تستهدف تمويل دورة التشغيل الأولى للكيانات البحثية، ومساعدتها على اختبار السوق، وبناء نماذج أعمال قابلة للاستدامة، بما يخلق جسرا حقيقيًا بين المعرفة والصناعة ، كما تركز الأكاديمية دعمها على مجالات ذات أولوية قصوى للدولة المصرية، من بينها ، الطاقة والمياه ، خاصة الهيدروجين الأخضر وتحلية المياه، ومنها أيضا الصناعة، وتوطين تكنولوجيا الإلكترونيات والمكونات الدقيقة.
وفي مجال الصحة  من خلال تطوير الأدوية واللقاحات وأجهزة التشخيص وتسعى الأكاديمية إلى تعظيم القيمة المضافة من إعادة تدوير المخلفات.


وتُعد جوائز أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا أرفع منظومة تكريم علمي في مصر، وأحد أبرز أدوات الدولة في تقدير الإنجازات العلمية الاستثنائية ودعم التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة. 


وتتنوع هذه الجوائز بين جائزة النيل، والجائزة التقديرية، وجائزة التفوق، والجائزة التشجيعية، بما يعكس فلسفة متكاملة تجمع بين تكريم الرواد وتحفيز الأجيال الجديدة، وقد حملت قوائم الفائزين عبر السنوات أسماء لامعة في مختلف فروع العلوم، من بينهم العالم المصري البارز الدكتور فاروق الباز الحاصل على جائزة النيل في العلوم التكنولوجية المتقدمة عام 2024، والدكتور محمود هاشم عبد القادر، أستاذ علوم الليزر بجامعة القاهرة، والدكتور محمد أبو الغار، والدكتور حسن أبو العينين، في مجال العلوم الطبية، إلى جانب نخبة من العلماء الحاصلين على جوائز الدولة التقديرية، مثل الدكتور محمد أحمد طه حنفي، والدكتور شريف زين العابدين عبد ربه.


ولا تقتصر قيمة هذه الجوائز على بعدها المعنوي، باعتبارها أعلى تقدير وطني للعلماء، بل تمتد إلى بعدها الاستراتيجي، إذ تمثل حافزا مباشرا للابتكار والبحث التطبيقي، وتسهم في إبراز النماذج العلمية القادرة على نقل المعرفة إلى المجتمع والاقتصاد، فضلا عن قيمتها المادية التي تعكس تقدير الدولة للعلم والعلماء، حيث تصل قيمة جائزة النيل إلى نصف مليون جنيه مصري وميدالية ذهبية. 


وبهذا الدور  تتحول جوائز الأكاديمية من مجرد تكريم فردي إلى أداة وطنية لصناعة القدوة العلمية وترسيخ مكانة مصر على خريطة البحث والابتكار عالميًا 
كما ن  أكاديمية البحث العلمي هي  " البوابة الرئيسية " التي يمر عبرها مستقبل الابتكار والإنتاج المعرفي في مصر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء