رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مفتي ماليزيا: الاجتهاد الفردي لم يعد كافيًا أمام تعقيد القضايا المعاصرة

مفتي ماليزيا
مفتي ماليزيا

قال الشيخ أحمد فواز فاضل، مفتي ماليزيا، إن الفتوى ليست مجرد اجتهاد فقهي محدود أو حكم نظري معزول عن غايته، بل هي خطاب شرعي حضاري يؤدي وظيفة توجيهية شاملة، تسهم في بناء الإنسان واستقرار المجتمع وقوة الدولة، من خلال تحقيق التوازن بين نصوص الوحي ومقاصد الشريعة، وربط الأحكام بواقع متغير ومتجدد.

جاء ذلك خلال كلمته في جلسة الوفود بالندوة الدولية الثانية لـدار الإفتاء، التي تعقدها الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم تحت مظلة دار الإفتاء المصرية، حيث عبر عن اعتزازه بالمشاركة في هذا الحدث العلمي الرفيع، مشيدًا بالمكانة التاريخية لدار الإفتاء المصرية ودورها الرائد في ترسيخ منهج إفتائي متزن، يجمع بين الالتزام بالنص واستحضار المقصد، ويعكس وسطية الإسلام ومنهجه المعتدل.

مفتي ماليزيا 
مفتي ماليزيا 

 

مقاصد الشريعة شرط لصحة أثر الفتوى

وبيّن مفتي ماليزيا، أن صحة الفتوى لا تقاس فقط بصحة الدليل، وإنما تقاس بمدى مراعاتها لمقاصد الشريعة ومآلات الأحكام، مؤكدًا أن الشريعة إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد، وهو ما يفرض على المفتي أن ينظر في آثار فتواه على دين الناس واستقرارهم، محذرًا من الفتاوى التي تثقل على الناس أو تُحدث اضطرابًا في تدينهم نتيجة سوء التنزيل أو إغفال الواقع.

ولفت إلى أن الإفتاء في العصر الحديث مطالب بأن يكون وسيلة لرفع الحرج وبث اليسر وتحقيق السكينة الدينية، التزامًا بروح الشريعة التي قامت على التيسير ودفع المشقة، مؤكدًا أن الفتوى التي تصادم هذا المقصد تخالف جوهر الشريعة، حتى وإن استندت إلى ظاهر نص لم يراع سياقه أو مآله.

وذكر أن للفتوى بعدًا حضاريًا لا يقل أهمية عن بعدها الإيماني، لافتًا إلى أن الشريعة الإسلامية جاءت لإعمار الأرض وإقامة العدل وتحقيق الاستقرار، وأن الفتوى تضطلع بدور محوري في توجيه العمران، وضبط السلوك العام، وترشيد مسارات التنمية، وصيانة المصلحة العامة، بما يعزز الاستقرار المجتمعي ويمنع الفوضى القيمية.

 

 

الفتوى وقضايا الدولة والتنمية الحديثة

وأشار المفتي إلى أن تناول الفتوى لقضايا الدولة والاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والبيئة لا يعد خروجًا عن وظيفة الإفتاء، بل يمثل امتدادًا طبيعيًا لها، شريطة أن يكون ذلك منضبطًا بالمقاصد، قائمًا على فقه المآلات، ومراعيًا لمتطلبات التخصص والخبرة، مع عدم إهمال القضايا المتصلة بحياة الناس اليومية في عباداتهم وأسرهم ومعاملاتهم.

وشدد على أن تعقد القضايا المعاصرة وتشابكها كشف عن قصور الاجتهاد الفردي، مؤكدًا أن الفتوى الجماعية باتت ضرورة شرعية وعلمية، لما توفره من اتزان فقهي وطمأنينة علمية وثقة مجتمعية، عبر التشاور بين الفقهاء والمتخصصين وتجسيد مبدأ الشورى في صناعة القرار الإفتائي.

 

التجربة الماليزية في الإفتاء المؤسسي

استعرض الشيخ أحمد فواز فاضل، التجربة الماليزية، موضحًا أن الفتوى في ماليزيا لم تعد اجتهادًا فرديًا معزولًا، بل أصبحت جزءًا من المنظومة المؤسسية للدولة، وعنصرًا داعمًا للحوكمة الرشيدة، يحقق التوازن بين متطلبات التنمية والالتزام بالقيم والمبادئ الشرعية.

وتحدث عن الدور المحوري الذي يضطلع به المجلس الوطني لشؤون الدين الإسلامي (MKI)، الذي تأسس عام 1969م، في توحيد المرجعية الإفتائية بين الولايات، موضحًا أن لجانه العلمية أصدرت حتى أغسطس 2025 أكثر من 452 قرارًا إفتائيًا جماعيًا، مع اعتماد المذهب الشافعي مرجعية أساسية، والاستفادة من بقية المذاهب عند الحاجة لتحقيق المصلحة العامة، بما ساعد على معالجة القضايا المستجدة ودعم متخذ القرار.

وأكد في ختام كلمته، أن تعزيز التعاون بين دور الإفتاء، وتبادل الخبرات، وتنسيق المواقف في القضايا المشتركة، يمثل خطوة أساسية نحو بناء خطاب إفتائي عالمي يجمع وحدة المقاصد مع تنوع السياقات، مشيدًا بالمؤتمر الذي تنظمه دار الإفتاء المصرية باعتباره نموذجًا رائدًا لهذا التعاون العلمي البناء، وداعيًا إلى أن يكون منبرًا فاعلًا لتجديد منهج الإفتاء وتطوير أدواته بما يرسخ التدين الرشيد والعمران الراشد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء