صفحات من تاريخ الإبداع .. صحف صنعت كبار الكُتّاب في مصر والعالم
منحت المجلات الثقافية للكُتاب فرصًا للكتابة والإبداع، والتفاعل مع أفكارهم ومساحة لاكتشاف ذاتهم، وكانت تجارب تتسم بالعمق وامتدت لتستمر، وكانت الحاضنة الأولى التي سمحت بهم بتشكل إبداعاتهم الأدبية وبناء علاقة جيدة مع القارئ، ومن هذا المسار انتقل كثير من الكُتاب في المجلات إلى إنتاج أعمال روائية وفكرية مستقلة، أسهمت في إثراء المكتبة العربية وترسيخ تحولات كبرى في الوعي الأدبي والثقافي.
نجيب محفوظ
ومن أبرز هذه الأمثلة من الكُتاب الذين كانت بدايتهم مع المجلات والجرائد ثم انتقل إلى الكتابة الخاصة، نجيب محفوظ الأديب العالمي العربي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1988، وظل صدى أعماله وكأنه مازال متواجد بيننا.
نشر لنجيب محفوظ أول مقالة له في مجلة «الجديدة»، بعنوان «احتضار معتقدات وتولد معتقدات»، وذلك في أكتوبر 1930، ولما عُطلت المجلة شهورًا اتجه نجيب محفوظ إلى صحف أخرى ثم عاد فنشر فى «الجديدة» فى 1934 مقاله الثانى «ثلاثة من أدبائنا» الذي تحدث فيه عن سلامة موسى وتوالت بعد ذلك مقالاته فى «الجديدة»، خاصة خلال السنوات 1934 وما بعدها، ويلاحظ أن جميع مقالات نجيب محفوظ فى «الجديدة» كانت فلسفية.
ثم راح يكتب نجيب محفوظ أكثر من ثلاثين رواية اشتهرت غالبيتها وتم إنتاج معظمها سينمائيًا وتلفزيونيًا وكانت أول رواياته هي عبث الأقدار (1939)، أما آخرها، فكانت قشتمر (1988)، وما بينهما بين القصرين (1956)، كما ألّف أكثر من عشرين قصة قصيرة وكان آخرها أحلام فترة النقاهة (2004).
وأشار الأديب العالمي نجيب محفوظ إلى أن موهبته ظهرت خلال سنوات دراسته في المرحلة الابتدائية، إذ كان يقرأ لكبار الأدباء في هذا الوقت، وحاول تقليد أساليبهم من أمثال "المنفلوطي"، في "النظرات" والعبارات"، وحاول كتابة قصة حياته على غرار الأيام لطه حسين، وأطلق عليها "الأعوام".
وأوضح في كتاب "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ"، أن الطريق الممهد له في تلك الفترة كان الشعر، فـأحب الشعر وكتبه وخاصة الشعر الذي له تراث عريق في الأدب العربي، ووصفه بأنه "ديوان العرب"، لكن السبب الذي جعله يتراجع عنه هو افتقاده لملكة الحفظ التي يقوم عليها الشعر".
وأضاف محفوظ في ذات الكتاب، أن عام 1936، كان عامًا فارقًا في حياته إذ احترف كتابة القصة، بعد صراع نفسي بين الفلسفة والأدب، ولكنه حاول أن يشرك أحدًا في تفكيره أو يطلعه على ما يدور في نفسه من صراع، وفي النهاية اختار طريق الرواية رغم صعوبته، وفضله على طريق الفلسفة رغم سهولته عليه في تلك الوقت.
ويرى محفوظ أن اختياره لفن الرواية، كنتيجة طبيعية إلى افتقاد الأدب العربي لهذا الفن، فضلًا عن أنها أقرب لفن السيرة الذاتية، مثل "عودة الروح" لتوفيق الحكيم، و"زينب" لمحمد حسين هيكل، و"الأيام" لطه حسين، كما أن الطريق كان يقتضي منه قراءات واسعة في الأدب العربي والعالمي على حد سواء.
يوسف إدريس
وفي السياق ذاته، انقلب يوسف إدريس على الطب، وانخرط في كتابة القصة والمسرح والرواية، وبدأ مشواره في الجامعة عندما اشترك في تظاهرات ضد الاستعمار البريطاني وكذلك ضد الملك فاروق، وأيّد الثورة الناصرية الاشتراكية، ثمَّ لم يلبث أن ارتدّ عليها، وهنا زُج للسجن للمرة الأولى، وفي هذا الأثناء بدأ بكتابة القصة القصيرة ونشرها في بعض المجلات المصرية مثل "روز اليوسف"، و"المجلة المصرية"، ثم أصدر مجموعته القصصيّة الطويلة (اعتبرها بعضهم رواية) بعنوان "قصة حب" عام 1956. تخصّص في الطبّ النفسي ثمّ ترك المهنة، وعيّن محررا في "الجريدة" المصرية.
ولُقب بـ "تشيخوف القصة العربية"، وذلك عقب عودته إلى مصر، وعمله في الصحافة، وفي هذه المرحلة، وبعد نشره أعمالًا قصصيّة عدة تمّ تكريسه قصّاصًا كبيرًا من أهم كتّاب القصّة العربية.
ولم يقف الأمر يقف الأمر عند كتابته للقصة، بل امتد إلى كتابة المسرحيات مثل "ملك القطن" و"أرخص ليالي" و"جمهورية فرحات" (1956) التي تعبّر عن إيمانه بالاشتراكية المصرية، ثم "اللحظة الحرجة" هي حصيلة لحرب السويس عام 1956، وفيها تتبّع عن قرب أحوال عائلة مصرية خلال الحرب، لكن معظم هذه المسرحيات لم تلقَ استقبالا جيدا في مصر، فقد وقع في المباشرة والخطابية والتبسيط.
صلاح عبد الصبور
بدأ صلاح عبد الصبور بنشر أشعاره في الصحف، وذاعت شهرته بعد نشره قصيدته الشهيرة "شنق زهران"، وتركت هذه القصائد بصمة في الأدب العربي، وكان من أبرز الشعراء الذين تناولوا الحزن في أعمالهم، وتميزت مشروعاته المسرحية بنبرة سياسية ناقدة، لكنه حافظ على استقلاله الفكري دون الانحيازات الحزبية.
وأصدر ديوانه الأول ""الناس في بلادي"، والذي يُعتبر أول ديوان للشعر الحديث (الشعر الحر أو شعر التفعيلة) فى مصر، وكان له تأثير كبير على المشهد الأدبي، عام 1957.
ثم صدر بعد ذلك إصدارات أخرى:
- أقول لكم (1961)
- أحلام الفارس القديم (1964)
- تأملات في زمن جريح (1970)
- شجر الليل (1973)
- الإبحار في الذاكرة (1977)
أمل دنقل
كانت البداية الأولى لأمل دنقل في عام 1972، كأفضل شاعر شاب، إذ ألّف عدد من الدواودين وكانت من أبرزها التي أحبها المصريين "لا تصالح".
ويُعد نموذجًا للشاعر الذي يكون نموذجًا متفردًا، وعن نشأته كشاعر أوضح أنه كتب أول شعر لكن أستاذه لم يعترف به، فارتفعت درجة التحدي والكرامة عنده، وفي الإطار قال: «أول مرة عرضت فيها أشعاري الأولى على أستاذي وكان شاعرًا بالمناسبة، أجابني ما معناه أن من الخير لي أن أترك الشعر لأنني لن أكون شاعرًا أبدا، أحسست بالتحدي وبأن كرامتي أهينت، سألت بعض أصدقائي من المهتمين باللغة والشعر، فأخبروني بأن العرب يقولون إن من حفظ ألف بيت صار شاعرًا، قررت أن أحفظ ألف بيت من الشعر، وبالفعل أخذت أستعير الدواوين الكثيرة، ولأنه كان من الصعب الاحتفاظ بها فقد استنسختها، ولا تزال دواوين المتبنى والبحتري وأبى نواس وامرئ القيس وأشعار شوقي وحافظ إبراهيم ومطران وعلى محمود طه وإبراهيم ناجى ومحمود حسن إسماعيل منسوخة بخط يدى، وفى العام التالي تقدمت بإحدى القصائد الجديدة للأستاذ نفسه، فأبدى دهشته الشديدة لتقدمي، وأحسست أنى حققت انتصارًا ما، لكن شعرى بقى حتى ذلك الحين منغلقا في دائرة همومي الذاتية».







