رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مفتي الجمهورية: الفتوى في شريعتنا ليست حكما في فراغ بل «صوت الرحمة»

مفتى الجمهورية
مفتى الجمهورية

افتتح الدكتور نظير محمد عيَّاد مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، فعاليات الندوة الدولية الثانية للأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم تحت مظلَّة دار الإفتاء المصرية، والتي تُعقد هذا العام تحت عنوان: « الفتوى وقضايا الواقع الإنساني: نحو اجتهاد رشيد يواكب التحديات المعاصرة »، مُعبِّرًا عن اعتزازه الكبير برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي لهذا الحدث العِلمي المتميز، مؤكدًا أنَّ تلك الرعاية تمثِّل دعمًا مستمرًّا من القيادة السياسية لمسيرة الإفتاء الرشيد.

‎وتوجَّه مفتي الجمهورية بالشكر إلى المشاركين في الندوة، مُثمِّنًا حضورهم العلمي والفكري، مؤكدًا أن عنوان الندوة يعكس مدخلًا أصيلًا في صناعة الفتوى، ويقوم على الربط بين المقدمات الراسخة والنتائج المثمرة التي تخدم الإنسان وتحفظ مصالحه.

وأوضح الدكتور نظير محمد عيَّاد أنَّ القرآن الكريم أسَّس منهجًا فريدًا في التعامل مع الواقع، تجلَّى في منهج «يسألونك»، هذا المنهج الذي يصون الإنسان في كلِّ ما يتعلَّق به، رُوحًا وعقلًا وقلبًا، ويصونه علمًا وعملًا، ويصونه دنيا وأخرى، ويصون علاقته بنفسه فردًا وعلاقته بغيره شريكًا في المجتمع. 

وتابع فضيلته، أن نزول القرآن مُنجَّمًا جاء استجابةً للحوادث الطارئة والأسئلة المتجددة، وهو ما يمثل إعجازًا في مطابقة الخطاب للواقع وفهم احتياجات الناس في ظروفهم المختلفة، مؤكدًا أنه قد تبيَّن للعلماء أنَّ هذا التنزيل المتدرِّج كشف عن إعجاز بديع في مطابقة الخطاب للواقع، وفهم احتياجات الناس في ظروفهم المختلفة، ولمَّا عاب الكفار نزول القرآن على هذا النحو، وقالوا: {لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان: 32] جاء الجواب الإلهي: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32]، أي كذلك لنثبِّت به فؤادك بما ينزِل من آيات تتعلق بالواقع وحركة الناس فيه.

الفتوى في الشريعة الإسلامية ليست حكمًا يُلقى في فراغ

ولفت مفتي الجمهورية النظر إلى أنه من وحي هذا المنهج القرآني، القائم على استحضار الواقع وإدراك تعقيداته، تأتي هذه الندوة لتؤكِّد أن الفتوى في شريعتنا ليست حكمًا يُلقى في فراغ، ولا قولًا منفصلًا عن سياقه، بل هي صناعة علمية راسخة؛ تقوم على أصالة الدليل، وتستنير بالمقاصد، وتراعي المآلات، وتستوعب مستجدات العصر وتشابكاته.

وأشار مفتي الجمهورية إلى أن دار الإفتاء المصرية تبنَّت منهجًا اجتهاديًّا متوازنًا، يربط بين الثوابت والمتغيرات، ويحفظ كرامة الإنسان، ويعينه على مواجهة تحديات العصر، سواء في قضايا الأسرة، أو الأزمات الاجتماعية، أو التحولات الرقمية، أو أسئلة الأخلاق والهُوية، موضحًا أن اجتماعنا اليوم شاهدٌ على هذا الجهد الذي يسعى إلى تقديم خطاب ديني رصين، يجمع بين الحكمة والفقه العميق، ويسهم في بناء وعي إنساني قادر على مواجهة التحديات بوعي مستنير.

‎الفتوى أداة فاعلة في تعزيز الذات الثقافية وغرس الوعي

وفي ختام كلمته، أكد مفتي الجمهورية أن عصر العولمة الرقمية يحتم علينا أن نؤصل لمفهوم (الذات الثقافية) بوصفها المرجعي الذي يشكِّل هُوية الفرد وسلوكه وقيمه، فباتت الفتوى أداة فاعلة في تعزيز الذات الثقافية وغرس الوعي بالجذور، وربط القيم بالممارسات اليومية، وتعليم التفكير النقدي، لتصبح الذات مرجعية حيةً، تقود الشباب في كل خطوة على دروب الحياة الرقمية والمعاصرة، فتتحول الهُوية من مجرد عنوان إلى قوة فاعلة، تمنح الإنسان الثقة بنفسه، والاستقرار في قراراته، والقدرة على مواجهة تحديات العصر، دون أن يفقد صلابة جذوره وقوة مبادئه، مشددًا على أن الفتوى ليست رفاهية معرفية، ولا خطابًا نظريًّا، بل هي مهمة إنقاذ في زمن الأزمات.

وأعرب فضيلة المفتي عن أمله في أن تسهم هذه الندوة في ترسيخ مسار الاجتهاد الرشيد، وتعزيز دور العلماء والباحثين في خدمة الإنسان، وتحقيق الاستقرار المجتمعي، وبناء وعي إنساني منضبط يواجه تحديات العصر بثبات وحكمة، موضحًا أن الفتوى ليست خطابًا جامدًا حبيس الأوراق، بل هي صوت الرحمة، وعقل الحكمة، وأداة ضبط للمجتمع؛ إذ تسهم في تخفيف المعاناة، وتحقيق العدالة، وترسيخ مبادئ التكافل والتعايش.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء