رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم تعد الحروب في عالم اليوم تخاض فقط بالدبابات والطائرات، ولا تحسم بالخرائط العسكرية وحدها، بل انتقلت ساحاتها إلى الفضاء الرقمي؛ حيث الكلمات أسرع من الرصاص، والصورة أخطر من القذيفة، والخبر الكاذب أقدر على إحداث الفوضى من جيش كامل؛ حيث تبرز حروب الشائعات كواحدة من أخطر أدوات الصراع غير المرئي، معركة صامتة تستهدف العقول قبل الحدود، والثقة قبل المؤسسات، والوعي قبل الإرادة الوطنية.

 

حروب الشائعات ليست ظاهرة عشوائية أو نتاج فراغ معلوماتي فقط، بل هي أداة استراتيجية ضمن ما يعرف بحروب الجيلين الرابع والخامس، حيث يتم توظيف الإعلام الجديد ومنصات التواصل الاجتماعي كسلاح ناعم شديد التأثير، جوهرها يقوم على بث معلومات مضللة أو مجتزأة أو مفبركة، بهدف زعزعة الاستقرار الداخلي، وإرباك الرأي العام، وإضعاف ثقة المواطنين في دولتهم ومؤسساتهم، ودفع المجتمع إلى حالة من الشك الدائم والقلق المستمر.

 

إن الخطورة الحقيقية للشائعات لا تكمن فقط في كذبها، بل في توقيت إطلاقها، و انتقائية موضوعاتها، وقدرتها على التسلل إلى وجدان المواطن دون مقاومة تذكر فهي غالبا ما تستهدف القضايا الحساسة: الاقتصاد، الأمن، الصحة، الدعم، الانتخابات، أو حتى رموز الدولة، و تقدم في صورة “معلومة مسربة” أو “تحذير وطني” أو “خبر من مصدر موثوق”، بما يمنحها زخمًا زائفًا ومصداقية مصطنعة.

 

وتزداد هذه الحروب شراسة في لحظات التحول أو الأزمات؛ حيث تكون المجتمعات أكثر قابلية للتأثر، وأكثر عطشا للمعلومة، هنا تتحول الشائعة إلى قوة هدم نفسي ومعنوي، تزرع الإحباط، وتكسر الحماس، وتخلق شعورًا عامًا بانعدام الجدوى، وهو ما يمثل الهدف الأعمق لمطلقيها: إنهاك الداخل دون مواجهة مباشرة.

 

في الحالة المصرية، لا يمكن فصل تصاعد حروب الشائعات عن موقع الدولة ودورها الإقليمي، وحجم التحديات التي تواجهها، من إصلاح اقتصادي إلى معارك تنموية، ومن مواجهة الإرهاب إلى إدارة أزمات إقليمية معقدة، فكل خطوة إصلاح، وكل قرار صعب، يصبح هدفا لحملات تشكيك منظمة تسعى إلى تصوير التحديات كفشل، والتضحيات كعبث، والإنجازات كأوهام دعائية.

 

وتكمن الإشكالية في أن الشائعة، بخلاف الخبر، لا تحتاج إلى دليل، بل تعتمد على الإثارة والانفعال، وعلى سرعة التداول، مستفيدة من خوارزميات منصات التواصل التي تكافئ المحتوى المثير بغض النظر عن صحته وهنا يصبح المواطن، دون وعي، حلقة في سلسلة الحرب، حين يعيد النشر أو التعليق أو التداول، فيتحول من متلقي إلى مشارك في معركة لا يدرك أبعادها.

 

مواجهة حروب الشائعات لا يمكن أن تكون أمنية فقط، ولا إعلامية بمفهومها التقليدي، بل هي معركة وعي شاملة تبدأ بتعزيز الشفافية وتوفير المعلومة الدقيقة في توقيت مناسب، لأن الفراغ المعلوماتي هو البيئة الخصبة للشائعة كما تتطلب تطوير خطاب إعلامي حديث، قادر على مخاطبة المواطن بلغته، والرد على التساؤلات بوضوح، دون تعال أو إنكار.

 

وفي الوقت نفسه، يبقى بناء الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول، فالمجتمع الواعي، القادر على التمييز بين الخبر والتحريض، وبين النقد البناء والتشويه المتعمد، هو مجتمع عصي على الاختراق، ويقع هنا دور أساسي على المؤسسات التعليمية، والثقافية، والدينية، والأحزاب السياسية، في ترسيخ ثقافة التفكير النقدي، واحترام العقل، وعدم الانسياق وراء كل ما ينشر.

 

ولا يمكن إغفال أهمية الإطار التشريعي والقانوني في ردع مروجي الشائعات، خاصة تلك التي تستهدف الأمن القومي أو السلم المجتمعي، فحرية التعبير لا تعني الفوضى، وحق الاختلاف لا يبرر الكذب المتعمد أو التحريض أو نشر الذعر، التوازن بين الحرية والمسؤولية يظل حجر الزاوية في أي دولة تسعى إلى حماية استقرارها دون المساس بحقوق مواطنيها.

 

إن أخطر ما في حروب الشائعات أنها لا تعلن نفسها كحرب، ولا ترفع راية عدو واضح، بل تتخفى في ثوب النصيحة، أو الغضب، أو الحرص على الوطن لكنها في حقيقتها تستهدف الوطن ذاته، عبر تفكيك الثقة بين الدولة والمجتمع، وإضعاف الروح المعنوية، وإشاعة الإحساس الدائم بالخطر والانهيار.

 

من هنا، فإن الانتصار في هذه المعركة لا يتحقق بضربة واحدة، بل بمسار طويل من الوعي، والصبر، والعمل المؤسسي، والتواصل الصادق مع المواطن، الدول القوية لا تقاس فقط بقدرتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بقدرتها على حماية وعي شعبها، لأن الوعي هو خط الدفاع الأخير… وإذا سقط، سقطت معه كل الخطوط.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء