تقرير لـ مركز باستيت: استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة
صدرت منذ أيام قلائل وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025، بعد 10 أشهر من تولي ترامب ولايته الثانية في يناير الماضي. وقد وضع ترامب في هذه الوثيقة أسساً جديدة لرؤية الولايات المتحدة لمكانتها ووضعها في النظام الدولي وعلاقتها بدول العالم، من خلال التأكيد على مبدأ "أمريكا أولاً" الذي يعتبر جوهر عقيدته السياسية بالأساس. فاستهل ترامب مقدمة الوثيقة بالتأكيد على قدرة إدارته على استعادة قوة أمريكا في الداخل والخارج، وتحقيق السلام والاستقرار للعالم من خلال ما أصدره من قرارات تخص حماية الحدود ونشر القوات المسلحة لمنع تدفقات الهجرة غير الشرعية من المكسيك ودول أمريكا اللاتينية، ومحاربة تجارة المخدرات، وإعادة بناء التحالفات العسكرية بما يخدم مصالح الولايات المتحدة، من خلال نجاحه في الاتفاق التاريخي مع دول الناتو لرفع الإنفاق الدفاعي من 2% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي لدول الحلف.
بالإضافة إلى التحرك في مجال إنتاج الطاقة الأمريكية لتأكيد استقلال الولايات المتحدة في هذا المجال ووقف الاعتماد على الدول الأخرى في مصادر الطاقة الأحفورية، وكذلك اتباع السياسات الحمائية وفرض رسوم جمركية تاريخية لإعادة توطين الصناعات الحيوية.
وعلى الصعيد الخارجي، أكد ترامب على التدمير الكامل للقدرات النووية الإيرانية فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم، في أعقاب الضربات الأمريكية على إيران الصيف الماضي والمعروفة بـ"عملية مطرقة منتصف الليل". كما نجحت -من وجهة نظر ترامب– في إنهاء عدد من الصراعات المشتعلة، بما في ذلك بين كمبوديا وتايلاند، كوسوفو وصربيا، الكونغو ورواندا، باكستان والهند، إسرائيل وإيران، مصر وإثيوبيا، أرمينيا وأذربيجان، إضافة إلى إنهاء الحرب في غزة.
ونرى أن ترامب أكد على أن استعادة التفوق والهيمنة الأمريكية لعقود قادمة يتطلب وضع استراتيجية متماسكة ومحددة الأهداف توضح كيفية تعامل الولايات المتحدة مع العالم، فهي تعد خطة عملية وواقعية تربط بين ما تريد البلاد تحقيقه من غايات والوسائل والأدوات المتاحة أو التي يمكن توفيرها للقيام بذلك.
ويرى ترامب أن تقوم الاستراتيجية على تحديد وترتيب أولويات البلاد، خاصة فيما يتعلق بصياغة أهداف السياسة الخارجية، فليست كل دولة أو منطقة أو قضية أو هدف - مهما كان جديرًا بالاهتمام - يمكن أن يكون في صميم الاستراتيجية الأمريكية. ولذلك فإن الهدف الحقيقي من السياسة الخارجية هو حماية المصالح الوطنية الأساسية، وهو ما تقوم عليه هذه الوثيقة.
فانتقد ترامب استراتيجيات الأمن القومي التي تم وضعها منذ نهاية الحرب الباردة، ووجّه سهام نقده للنخب الأمريكية المتعاقبة بسبب اعتمادهم على صياغة استراتيجيات فضفاضة تشمل امتداد النفوذ والهيمنة الأمريكية في كل زاوية في العالم، زعماً أن هذا يرتبط بالمصلحة القومية للبلاد سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر. والصحيح من وجهة نظر ترامب أن التدخل في شئون الدول الأخرى يقتصر فقط على التهديد المباشر للمصالح الأمريكية، فالهيمنة الدائمة تفرغ الدور الأمريكي من مضمونه. وعزّى ترامب أسباب تدهور الدور الأمريكي إلى الحسابات الخاطئة للنخب السابقة للتمسك بربط المصلحة الوطنية للبلاد بالعولمة من خلال انخراط واشنطن في اتفاقيات التجارة الحرة، الأمر الذي أدّى إلى تآكل الطبقة الوسطى والقاعدة الصناعية التي تقوم عليها الهيمنة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية، ودخول البلاد في صراعات ومنافسات وتحالفات لم تكن في صالحها بل كانت تكلفتها عبئاً على كاهل الشعب الأمريكي. ويرى ترامب في النهاية أن تبني العولمة والتعاون مع مؤسسات وأطراف دولية متعددة كان على حساب سيادة ووحدة الدول القومية وكان ضررها أكثر من نفعها.
تصحيح المسار:
وحتى يتم تجنب وتلافي كل الأخطاء في الاستراتيجيات السابقة، ولكي يتم الحفاظ على التفوق الأمريكي على كافة الأصعدة داخلياً وخارجياً، تم إعادة هيكلة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي من قبل إدارة ترامب على النحو التالي:
أولاً: المبادئ الأساسية التي ترتكز عليها هذه الاستراتيجية:
تصف الوثيقة سياسة ترامب الخارجية بأنها عملية دون أن تتصف "بالبراغماتية" بالمعنى الحرفي النظري، وواقعية بشكل مرن غير جامد. بمعنى أدق، سياسة لا تتبنى أيديولوجية سياسية غير تقليدية، لكنها تقوم على كل ما يخدم مصلحة أمريكا في المقام الأول. فالرئيس ترامب يؤصل لسياسة خارجية ودفاعية تقوم على عدد من المبادئ، ومن أهمها:
تحديد مركز المصلحة الوطنية: فلابد من التحول من التوسع في تعريف مفهوم "المصلحة الوطنية" الذي عكفت على تبنيه الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ الحرب الباردة، والتركيز فقط على القضايا التي ترتبط بشكل مباشر بالمصالح الأمريكية القومية الجوهرية.
السلام من خلال القوة: فالقوة أفضل وسيلة للردع، من خلال ردع الدول الأخرى لمنعها من تهديد المصالح الأمريكية. كما أن القوة ضرورية لتحقيق السلام من خلال احترام الدول الأخرى لقوة الولايات المتحدة، ما يجعلها تطلب مساعدتها ووساطتها في النزاعات. ولذلك لابد من تعزيز القوة والقدرات العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة لتحتفظ بتفوقها الدائم.
الواقعية المرنة: حيث ستعتمد السياسة الأمريكية في بناء تعاملاتها مع الدول الأخرى على ما هو مرغوب وممكن تنفيذه من خلال التعاون مع هذه الدول. فستسعى الولايات المتحدة إلى إقامة علاقات جيدة وعلاقات تجارية سلمية مع دول العالم، حتى التي تختلف أنظمة حكمها عن النظام الأمريكي، دون اللجوء إلى فرض الديمقراطية بالقوة أو تغييرات اجتماعية أو سياسية في هذه الدول، مع العمل على تشجيع الدول الصديقة على الالتزام بالقيم المشتركة بما يخدم مصالح كل طرف.
أولوية الأمم: الدولة القومية فوق الجميع، لأنها ستظل الفاعل السياسي الرئيسي في العالم، ومن الطبيعي والعادل أن تضع كل دولة مصالحها أولاً وأن تحمي سيادتها. وبالتالي ستراعي الولايات المتحدة هذا المبدأ في علاقتها مع الدول الأخرى بشكل متبادل. كما أن الولايات المتحدة ستدافع عن حقوق الدول في حماية سيادتها الوطنية ضد تدخلات المنظمات والمؤسسات الدولية التي تهدد سيادة الدول القومية، خاصة فيما يتعلق بتحرير التجارة أو قضية الهجرة.
توازن القوى: لا يمكن للولايات المتحدة أن تسمح لأي دولة بأن تصبح مهيمنة إلى درجةٍ تمكّنها من تهديد مصالح واشنطن. لذلك، ستعمل الولايات المتحدة مع الحلفاء والشركاء للحفاظ على توازنات القوى العالمية والإقليمية، بهدف منع ظهور خصوم مهيمنين في المناطق التي تقع في دائرة الاهتمام الأمريكية. وهذا لا يعني استخدام القوة العسكرية لمحاصرة نفوذ كل القوى الكبرى أو المتوسطة في العالم، ولكن سيتم ذلك من خلال العمل التعاوني مع الحلفاء والشركاء الدوليين لتقويض هذه التهديدات.
ولتحقيق هذه المبادئ، حددت الاستراتيجية عدداً من الأولويات، على رأسها: الحد من تدفقات الهجرة الجماعية من خلال تأمين الحدود، وتقاسم الأعباء من خلال التعاون مع حلفاء الولايات المتحدة وشركائها فيما يتعلق بالتشارك في تحمل تكاليف النفقات الدفاعية، من خلال الاعتماد على استخدام الأدوات والحوافز الاقتصادية لحث هذه الدول على تخصيص نسبة من ناتجها الإجمالي للإنفاق العسكري، خاصة إلزام دول الناتو برفع نسبة الإنفاق العسكري لأغراض الدفاع المشترك إلى 5% من النواتج المحلية للدول الأعضاء، وحث هذه الدول على إجراء المزيد من التحديثات والإصلاحات في سياساتها الدفاعية لضمان تحقيق استقرار دائم طويل الأمد.
من الأولويات الهامة الأخرى التي نصت عليها هذه الوثيقة: مبدأ التجارة المتوازنة من خلال العمل على إبرام اتفاقيات تجارية عادلة ومتبادلة مع الدول الراغبة في التعاون التجاري على أساس المنفعة والاحترام المتبادل، مع الأخذ في الاعتبار عدم الإضرار بمصالح الصناعة والعمال الأمريكيين. كذلك تسعى إدارة ترامب لتقليل العجز التجاري للبلاد، ومكافحة الإغراق، ومواجهة العوائق المفروضة على الصادرات الأمريكية، وتأمين سلاسل التوريد والمواد الحيوية والمعادن النادرة، وضمان وصول الولايات المتحدة لها دون أي عوائق مفروضة من الدول والأطراف المنافسة.
كما تسعى الإدارة إلى الاهتمام بإعادة توطين الصناعات وجذب الاستثمارات إلى الأراضي الأمريكية، مع التركيز على القطاعات التكنولوجية الحيوية والناشئة التي ستشكل مستقبل العالم. بالإضافة إلى المضي قدماً نحو إحياء قاعدة الصناعات الدفاعية لتعزيز القوة العسكرية للبلاد، من خلال تعبئة وطنية لتطوير أنظمة دفاعية قوية ومنخفضة التكلفة، ولإنتاج أكثر الأنظمة والذخائر قدرةً وحداثة على نطاق واسع، ولإعادة توطين سلاسل الإمداد الدفاعية. مع السعي للتعاون مع الدول الحليفة والصديقة على إحياء الصناعات الدفاعية لديهم لتعزيز الأمن والدفاع المشترك.
من أهم الأولويات التي تتبناها هذه الوثيقة وتعتبرها أولوية استراتيجية قصوى، هي هيمنة الطاقة، من خلال العمل على استعادة الهيمنة الأمريكية في هذا المجال فيما يخص الطاقة الأحفورية (النفط والغاز الطبيعي والفحم) أو الطاقة النووية، وإعادة توطين المكونات الحيوية اللازمة لإنتاجها. فوجود الطاقة رخيصة التكلفة سيؤدي إلى توفير وظائف مرتفعة الأجر للمواطنين، وتخفيض التكاليف على المستهلكين، ودعم استراتيجية إعادة التصنيع. وتؤكد الوثيقة أن تصدير فوائض الطاقة سيدعم ويعزز علاقات واشنطن مع حلفائها، ويكون ذلك بمثابة أداة للحد من نفوذ روسيا في هذا المجال من خلال تقليل اعتماد الدول الصديقة للولايات المتحدة على واردات الطاقة الروسية. كما تؤكد إدارة ترامب رفضها لكل المبادئ الخاصة بتغير المناخ وكل التوصيات الصادرة عن المنظمات الدولية والمؤسسات متعددة الأطراف في هذا الصدد، مع عدم الاعتراف بمبدأ "صفر انبعاثات" الذي أضر – من وجهة نظرها – بمصالح الولايات المتحدة والغرب.
وأيضاً، تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على استدامة هيمنتها على سوق رأس المال العالمي وتفوقها المالي من خلال العمل على استمرار الريادة الأمريكية في مجال التمويل الرقمي. كما أكدت الوثيقة على ضرورة الاستثمار في البحث العلمي للحفاظ على التفوق الأمريكي، مع التركيز على المجالات التي تتمتع فيها بميزات نسبية، وتشمل هذه المجالات: الفضاء، الطاقة النووية، بالإضافة إلى المجالات التي ستحدد مستقبل القوة العسكرية، مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والأنظمة الذاتية/المستقلة، وكذلك مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل هذه التقنيات.
ثانياً: مناطق الاهتمام الجيوسياسية:
وفي الجزء الأخير من هذه الوثيقة، يطرح ترامب رؤيته لترتيب المناطق الجغرافية من العالم وفقاً لمعايير القرب والتهديد المباشر للمصالح الأمريكية، تأكيداً على إعادة تعريفه لمفهوم المصلحة الوطنية كما سبق ذكره. فيرى ترامب أن التركيز على دول مناطق جغرافية بعينها لا يعني أن البقية غير ذات أهمية، ولكن الأولوية تكون للمناطق التي تمثل جوهر المصالح الحيوية للبلاد.
ومن أبرز ما قدمته هذه الوثيقة ما يتعلق بإعادة إحياء "مبدأ مونرو 1823" من خلال الملحق الترامبي المتعلق بالسياسة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، من أجل استعادة التفوق الأمريكي وريادتها في هذا الجزء من العالم، ولحماية البلاد وضمان الوصول إلى المواقع الجغرافية الحيوية في كامل المنطقة. مع منع القوى الخارجية المنافسة للولايات المتحدة (وبخاصة الصين) من بسط سيطرتها ونفوذها العسكري والاستراتيجي في الأمريكتين. ولضمان أمن الولايات المتحدة في هذه المنطقة، لابد من استخدام القوة العسكرية المباشرة ضد الشبكات الإجرامية (الكارتيلات) لوقف تجارة المخدرات لضمان الاستقرار على طول الحدود البرية والبحرية للبلاد، وكذلك لضبط تدفقات المهاجرين عبر الحدود. بالإضافة إلى التوسع في بناء شراكات وتحالفات جديدة مع دول أمريكا اللاتينية وتقديم المزايا والحوافز لهم لتدعيم شراكاتهم مع واشنطن ولاحتواء التمدد الاقتصادي الصيني داخل هذه الدول.
وبالنسبة لمنطقة آسيا والباسيفيك، بكونها أحد أهم مناطق المنافسة الجيوسياسية بين واشنطن وبكين حالياً ومستقبلاً، كان على الإدارة الأمريكية أن تحدث تحولاً في سياسة الاحتواء تجاه الصين، والانتقال من مرحلة الاحتواء التقليدي باستخدام القوة العسكرية إلى استخدام الاحتواء الناعم من خلال الاقتصاد ومحاصرة الصين وفك ارتباطها وتعاونها الاقتصادي والتجاري مع دول تلك المنطقة فيما يتعلق بمجالات التكنولوجيا الدقيقة وسلاسل التوريد والدفاع وغيرها. ومحاولة واشنطن تعزيز التحالفات مع دول آسيا والباسيفيك وإبرام اتفاقيات معها في تلك المجالات، وهذا ما تم من خلال جولة الرئيس ترامب في أكتوبر 2025 لتلك المنطقة، والتأكيد على استمرار التعاون الرباعي بين أستراليا واليابان والهند والولايات المتحدة (مجموعة الـ Quad) لضمان احتواء النفوذ الصيني.
وبالنسبة للعلاقات التجارية مع الصين، تهدف الإدارة الأمريكية إلى إعادة توازن العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، مع إعطاء الأولوية للمعاملة بالمثل والإنصاف، بهدف استعادة الاستقلال الاقتصادي الأمريكي والتطلع إلى تحقيق نمواً اقتصادياً يقفز بالناتج المحلي من 30 تريليون دولار في 2025 إلى 40 تريليون دولار بحلول 2030، بهدف الحفاظ على مكانة الولايات المتحدة باعتبارها أكبر اقتصادات العالم.
وتتعهد الوثيقة بعزم واشنطن على التعاون مع حلفائها الأوروبيين لاستعادة عظمة ومجد القارة العجوز، في دلالة على الأهمية الاستراتيجية لأوروبا لدى الولايات المتحدة اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً. فلا يمكن التخلي عن مساندة الدول الأوروبية في مواجهة التحديات التي تعرقل نموها وازدهارها، من تأثير سياسات الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بقضايا الهجرة والقضايا الاقتصادية والسياسية على قدرة الحكومات الوطنية النهوض ببلدانها وفقاً لرؤيتها المعبرة عن هويتها القومية والتجسد احتياجات مجتمعاتها. بالإضافة إلى الآثار السلبية للحرب الروسية – الأوكرانية على اقتصادات هذه الدول، ويمثّل إنهاء هذه الحرب مصلحة أساسية للولايات المتحدة، من أجل استقرار الاقتصادات الأوروبية، ومنع التصعيد غير المقصود أو اتساع نطاق الحرب، وإعادة إرساء الاستقرار الاستراتيجي مع روسيا، وتمكين إعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب. واتصالاً بعقيدة ترامب المرتبطة بالأفكار الشعبوية، تثمن إدارته تنامي نفوذ الأحزاب الأوروبية الوطنية، الأمر الذي سيساعد هذه الدول على إحياء نهضتها الروحية والفكرية والحضارية ويمكنها من تحقيق رخائها الاقتصادي ويضمن استقرارها سياسياً وأمنياً. مع العمل مع الحلفاء الأوروبيين على فتح الأسواق الأوروبية أمام السلع والخدمات الأمريكية، وضمان معاملة عادلة للعمال والشركات الأمريكية.
أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، فقد تراجعت أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، خاصة مع تنوع مصادر الطاقة، وقيام الولايات المتحدة بإعادة تصدير صافي الطاقة لديها، فلم تعد تلك المنطقة مصدر الطاقة الأساسي الذي تعتمد عليه واشنطن كما كان في الماضي. وبرغم أن الصراعات في الشرق الأوسط مازالت مستمرة وتمثل مصدراً للإزعاج الدائم، لكن تتبنى الإدارة الأمريكية نهجاً عملياً يتمثل في الاعتماد على آلية "إبرام الصفقات"، كما حدث في إنهاء حرب غزة الذي تجسد في عقد مؤتمر السلام بشرم الشيخ في أكتوبر 2025 برعاية إدارة ترامب وبوساطة مصر وتركيا وقطر.
وتلتزم إدارة ترامب بالعمل مع دول المنطقة على التعاون وبناء شراكات وتحالفات استراتيجية وإبرام صفقات في قطاعات جديدة مثل الطاقة النووية، الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الدفاعية. وكذلك التعاون في تأمين سلاسل الإمداد العالمية، وتعزيز الفرص لفتح أسواق في مناطق أخرى من العالم وعلى رأسها إفريقيا. وتثمن الإدارة الأمريكية الإجراءات التي تتخذها دول المنطقة، وخاصة دول الخليج العربي، لمكافحة التطرف والخطوات التي تم اتخاذها نحو إجراء المزيد من الإصلاحات السياسية والدستورية، ولكن دون تدخل أو فرض أي شيء عليها من الخارج. كما تبدي الإدارة الرغبة في توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية لتشمل مزيداً من الدول في المنطقة، وكذلك دولاً أخرى في العالم الإسلامي.
ختاماً:
جسدت هذه الوثيقة الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها العقيدة الترامبية المركبة، المؤمنة بالأفكار المركنتلية التي تعطي أولوية للنشاط الاقتصادي في العلاقات بين الدول، واستخدام الأدوات الاقتصادية من فرض الرسوم الجمركية والإجراءات الحمائية كأداة للردع والاحتواء، وتبني الأفكار القومية التي تؤكد على أهمية الهوية الأمريكية ورفض الهجرة واندماج أجناس وثقافات أخرى داخل نسيج المجتمع الأمريكي، وتبني سياسة خارجية ترفع شعار "أمريكا أولاً"، والعمل على تطبيق هذا الشعار من خلال الابتعاد عن انتهاج سياسة القوة الصلبة عبر التدخل العسكري غير المدروس الذي كبّد الأمة الأمريكية الكثير من الخسائر على مدار العقود الماضية، مع الاحتفاظ بحق استخدامه في ظروف وسياقات محددة. والاعتماد على أساليب القوة المرنة من خلال السياسات الحمائية الاقتصادية، وتشجيع حلفاء واشنطن على الالتزام بتقاسم الأعباء المادية الخاصة بتكاليف الدفاع المشترك، واحتواء الأزمات والصراعات من خلال "إبرام الصفقات" دون الحاجة للدخول في مفاوضات سياسية تمتد لسنوات دون جدوى.
وأبرزت الوثيقة عدداً من الملاحظات الأساسية:
التحول في الدور الأمريكي في النظام الدولي من الهيمنة الشاملة التوسعية إلى الهيمنة الانتقائية وفقاً لأولويات المصلحة الوطنية.
أولوية العامل الاقتصادي في السياسة الخارجية الأمريكية.
التأثر بالمدرسة الواقعية التي تؤكد على أهمية الدولة القومية كفاعل رئيسي في النظام الدولي وتهميش دور المؤسسات متعددة الأطراف، أو بمعنى أصح، السعي لتطويع سياساتها بما يخدم مصالح الدول ولا يهدد سيادتها.