تقرير لمركز باستيت: تعاطي القارة الأوروبية مع خطة ترامب لوقف حرب أوكرانيا
نشر موقع "أكسيوس" في 21 نوفمبر الماضي تفاصيل خطة أمريكية للسلام تهدف إلى إنهاء الأزمة الروسية الأوكرانية. وتتكون الخطة من 28 بندًا، ولاحقًا أعلن ترامب تقليص بنودها إلى 22 بندًا فقط.
من أبرز بنود هذه الخطة تنازل أوكرانيا عن الأجزاء الشرقية من أراضيها في دونيتسك ولوهانسك، بالإضافة إلى اعتراف الولايات المتحدة بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم، وعودتها إلى مجموعة الثماني، ناهيك عن تقديم ضمانات أمنية لروسيا من ضمنها صياغة نص في الدستور الأوكراني ينص على عدم الانضمام إلى الناتو.
ومن جهته، يتعهد الحلف بعدم التوسع شرقًا. كما أن أوكرانيا عليها أن تقلص حجم قواتها المسلحة لتصل إلى 600 ألف جندي بدلاً من 850 ألفًا في حالة السلم. وفي المقابل، تكفل الخطة توفير ضمانات لأوكرانيا بعدم الاعتداء الروسي عليها مجددًا.
لاقت هذه الخطة اعتراض القوى الأوروبية، خصوصًا البنود التي تتعلق بتنازل أوكرانيا عن أراضيها، كون أن هذا يرسخ مبدأ تغيير الحدود بالقوة. كما أن ذلك يقلص من قدرة أوكرانيا في لعب دور حائط الصد في وجه الخطر الروسي، خصوصًا مع عدم وجود ضمانات ملموسة وملزمة تتعلق بعدم تكرار الاعتداء الروسي على أوكرانيا من جديد.
موقف القوى الأوروبية من الخطة
اجتمع الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، ورئيس الوزراء البريطاني "كير ستارمر"، والمستشار الألماني "فريدريش ميرتس"، والرئيس الفنلندي "ألكسندر ستاب"، ورئيس المجلس الأوروبي "أنطونيو كوستا" في 22 نوفمبر الماضي، على هامش قمة مجموعة العشرين المنعقدة في "جوهانسبرج"، وأصدروا بيانًا يتضمن مخاوفهم بشأن الخطة الأمريكية. ومن ضمنها تقليص عدد القوات الأوكرانية، لا سيما مع عدم وجود ضمانات واضحة تحمي أوكرانيا من العدوان الروسي، وكذلك الرفض القاطع لمبدأ تغيير الحدود بالقوة، كونه يفتح الباب أمام المزيد من الصراعات على الحدود داخل القارة، إضافة إلى ضرورة موافقتهم على البنود التي تخص الاتحاد الأوروبي والناتو من أجل تفعيلها. (1)
في سياق متصل، صرح المستشار الألماني "ميرتس" إنه "ليس مقتنعًا بإمكانية التوصل إلى حل مقبول لأوكرانيا، بناءً على خطة الولايات المتحدة المكونة من 28 بندًا، بحلول الموعد الذي حدده الرئيس دونالد ترامب" لرفض أو قبول الخطة الأمريكية.
استجاب "ترامب" لضغوط القوى الأوروبية التي ترغب في مد الفترة الزمنية لمناقشة هذه الخطة، ومن ثم التوصل إلى اتفاق نهائي بين مختلف الأطراف، بدلاً من الموعد الذي كان قد وضعه مسبقًا، والمقرر له يوم "عيد الشكر" في 27 نوفمبر. (2)
يلاحظ أن الدول الأوروبية تسير على حبل مشدود، بحيث أنها لم توافق مباشرة على المقترح الأمريكي، كما أنها لم تعترض أيضًا، بل سعت إلى تبني موقف مرن في التعامل مع الخطة على أنها مسودة أولية تتطلب مزيدًا من النقاشات قبل أن تخرج إلى النور.
تعديلات الجانب الأوروبي على بنود الخطة
لا يرغب الجانب الأوروبي في صياغة خطة جديدة تحل محل تلك المقترحة من واشنطن، بل الاكتفاء بتعديلات تضمن صيانة الأمن القومي الأوروبي مستقبلاً.
وأظهرت وثيقة اطلعت عليها وكالة "رويترز" أن "بريطانيا" و"فرنسا" و"ألمانيا" صاغت تعديلات من شأنها توفير تلك الضمانات السابق ذكرها.
أبرز هذه التعديلات رفع الحد الأقصى للقوات المسلحة الأوكرانية إلى 800 ألف بدلاً من 600 ألف، مع تعهد الناتو بعدم نشر أسلحته بشكل دائم داخل أوكرانيا، ليكون الاكتفاء بنشر طائرات الحلف المقاتلة في بولندا.
كما أن انضمام أوكرانيا للناتو يكون عبر اتفاق كافة أطراف الحلف، وهو الأمر غير المتوافر حاليًا. وعلى الرغم من ذلك، يلتزم الحلف بتوفير الحماية لأوكرانيا، طبقًا لنص المادة الخامسة من ميثاق الناتو الخاصة بالدفاع المشترك، إلا في حالة أن تقوم أوكرانيا نفسها بشن الحرب على روسيا.
واستبدلت النسخة الأوروبية مهلة المئة يوم لإجراء الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا، بالصيغة التالية: أن تجري الانتخابات في أقرب وقت ممكن بعد التوصل إلى اتفاق سلام. كما شملت التعديلات ما يلي: أن تكون مسألة إعادة الإعمار مصدرها دفع روسيا تعويضات لأوكرانيا، متجاهلة هياكل الاستثمار الروسية الأمريكية التي تمت صياغتها في الخطة الأصلية. (3)
سيناريوهات إبرام اتفاق وقف الحرب وتداعياته على أوروبا
لا تزال المفاوضات جارية بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية وأوكرانيا حول التوصل إلى صيغة نهائية لخطة السلام. بيد أن السياسة الأمريكية أظهرت أنها تعول على الضغوط القصوى على الجانب الأوكراني، مستغلة حالة الهشاشة لديه، خصوصًا بعد اتهامات الفساد التي طالت الدائرة القريبة من الرئيس الأوكراني. كذلك تلويح "واشنطن" بإمكانية وقف الدعم العسكري والاستخباراتي لأوكرانيا حال التعنت في الموافقة على الاتفاق.
على الجانب الآخر، تجد القوى الأوروبية نفسها في مأزق بين التسليم ببنود الخطة الأمريكية، وتحمل ما قد ينتج عن ذلك من تهديد محتمل لأمنها القومي.
هذا السياق يضع القارة الأوروبية في مفترق طرق، بين اتجاه يضمن أمن واستقرار القارة الأوروبية، واتجاه آخر يجعل القارة وكأنها تسير فوق حقل من الألغام.
سيناريو علاج الأزمة من الجذور
يسعى جميع الأطراف إلى التوصل لاتفاق عادل ومستدام، يعالج جذور الأزمة، مع التزام كافة الأطراف باتفاق من شأنه أن يوفر للقوى الأوروبية الاستقرار، الذي بدوره يقلل النفقات العسكرية التي أنهكت اقتصادات القارة العجوز طيلة الأربع سنوات الماضية.
كما أن وقف الحرب سيعيد إعمار أوكرانيا، ما يمنح الولايات المتحدة وأوروبا فرصة لضخ استثمارات جديدة تعود بالنفع على كافة الأطراف.
ما سبق ينعكس على استقرار القارة، ويحد من حركة النزوح الأوكرانية، وهذا من شأنه أن يجنب القارة تداعيات اجتماعية وسياسية من المحتمل حدوثها إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
سيناريو يؤدي إلى نشوب صراعات
يمكن تبني خطة واشنطن، دون الالتفات للمطالب الأوروبية التي ترفض الاعتراف بضم روسيا لإقليم الدونباس الأوكراني، وشبه جزيرة القرم. وهذا يعد سابقة لتغيير الحدود بالقوة، لم تحدث منذ الحرب العالمية الثانية، كما أنه بدوره يفسح المجال أمام الدول الأخرى لتسلك المسار نفسه، خصوصًا في أوروبا الشرقية.
أيضًا، فإن هذا السيناريو يمكن أن يؤدي إلى خلافات حادة بين دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وقد يؤدي إلى تصدع الكيانين. وفي مقدمة التهديدات الناجمة عن عدم التوصل لحل، دخول القارة في حلقة مفرغة من الصراعات والحروب، نتيجة غياب رادع للتوسع الروسي.
في هذا السياق، لا بد من تسليط الضوء على دراسة ألمانية مسربة نشرتها صحيفة "وول ستريت جورنال" وتدور حول احتمالية اندلاع حرب مع روسيا قبل عام 2029.
تتضمن الخطة التي تعرف باسم "OPLAN DEU" آليات نقل ما يقرب من ثمانمئة ألف جندي من قوات الناتو عبر الأراضي الألمانية نحو الجبهة الشرقية، في حال نشوب صراع واسع بين دول الناتو وروسيا، مع استخدام مكثف للبنية التحتية من موانئ وسكك حديدية وطرق داخل ألمانيا لتأمين حركة الجنود والمعدات وضمان الإمداد المستمر.
كما تعتمد الخطة على تنسيق كامل بين المؤسسات المدنية والعسكرية، بما في ذلك شركات النقل والخدمات اللوجستية التي يمكن تعبئتها لدعم المجهود العسكري.
وتضع الخطة في حساباتها مواجهة تهديدات حديثة، مثل الهجمات السيبرانية، وتخريب البنى التحتية، واستخدام الطائرات المسيرة التي تستهدف خطوط الإمداد، مع وضع آليات لتعزيز الدفاع ضد هذه المخاطر.
وتعتمد الخطة أيضًا على مفهوم الاستجابة السريعة، بحيث تصدر القرارات، ويتم التحرك خلال ساعات أو أيام قليلة. (4)
ختامًا
تقف القارة الأوروبية اليوم أمام لحظة فارقة في تاريخها الأمني والسياسي. فخطة السلام الأمريكية، وما رافقها من تعديلات أوروبية، تكشف حجم التعقيد الذي يحيط بالحرب الروسية - الأوكرانية، كما تعكس حجم التباين بين المصالح الأمريكية والأوروبية.
وبينما تسعى واشنطن إلى تسريع إنهاء الحرب، وفق تصور يضمن مصالحها الاستراتيجية في مواجهة روسيا والصين، تجد العواصم الأوروبية نفسها مطالبة بالدفاع عن منظومتها الأمنية، والتمسك بمبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة، الذي يشكل ركنًا أساسيًا في استقرار القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
هذا ما يجعل مستقبل أوروبا مرهونًا بقدرتها على صياغة سياسة موحدة، تحفظ أمنها، وتضمن في الوقت نفسه التوصل إلى اتفاق عادل ومستدام لا يفتح الباب أمام صراعات جديدة.
في النهاية، فإن مصير القارة سيتحدد بين خيارين: إما استثمار الفرصة لتحقيق سلام راسخ يعالج الأزمة من جذورها، أو السماح بتفاقم التهديدات التي قد تقود أوروبا إلى مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، بما يحمله ذلك من تكلفة سياسية واقتصادية واستراتيجية قد تكون الأكبر منذ نهاية الحرب الباردة.