د. محمد صافي: قرار 2803 بشأن غزة ابن شرعي لـ "خطة ترامب الشاملة"
- مجلس السلام شخصية قانونية دولية جديدة بصلاحيات واسعة ويصاحبه غموض في التشكيل
- القوة الدولية بغزة إنشاء غير مسبوق بتفويض من مجلس الأمن وقيادة مجلس السلام الأمريكي
- تحذير من اختلاف النسخة العربية ودعوة لقراءة النص الإنجليزي والفرنسي.
أعرب الأستاذ الدكتور محمد صافي العميد السابق لكلية الحقوق بجامعة عين شمس، عن تقديره الكامل لدعوته لهذه الجلسة التي يعقدها مركز "باستيت"، مؤكدًا أن قرار مجلس الأمن رقم 2803 هو آخر القرارات التي صدرت بشأن القضية الفلسطينية، والذي جاء بتاريخ 17 نوفمبر 2025، ويتعلق بأوضاع الشرق الأوسط عموماً وبصفة خاصة يركز على القضية الفلسطينية.
جاء ذلك خلال جلسة موسعة لمركز باستيت للدراسات السياسة والاستراتيجية بعنوان: "قراءة نقدية لقرار مجلس الأمن 2803 حول غزة" حيث أدارها الاستاذ الدكتور أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، بمشاركة الأستاذ الدكتور محمد صافي العميد السابق لكلية الحقوق بجامعة عين شمس والسفير حسين هريدي مساعد وزير الخارجية الأسبق والأستاذ الدكتور محمد رمضان-رئيس قسم القانون الدولي بحقوق القاهرة والأستاذ الدكتور إبراهيم المنشاوي-الأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة والكاتب الصحفى محمد خيال.
وأوضح صافي أن القرار يحتوي على ديباجة وإحدى عشرة فقرة، ومبني بشكل كامل على "الخطة الشاملة" للرئيس الأمريكي ترامب لإنهاء النزاع في قطاع غزة، وتم إصداره بموافقة 13 دولة من أصل 15، حيث امتنعت روسيا والصين عن التصويت، ومن المعلوم وفقًا لما جرى عليه العرف الدولي أن الامتناع عن التصويت لا يحول دون إصدار القرار.
وأشار صافي إلى أنه من الأفضل أن يقرأ هذا القرار باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وخاصة أن النسخة العربية منه بها اختلاف كبير. وتتضمن ديباجة القرار الترحيب من جانب مجلس الأمن بالخطة الشاملة وإشادة بالدول التي وقعت عليها أو رحبت بها، وأيضًا إشادة بـ "إعلان ترامب التاريخي"، ودور الولايات المتحدة وقطر ومصر وتركيا في تيسير وقف إطلاق النار في غزة.
كما تشير الديباجة إلى نقطة مهمة جدًا، وهي أن الوضع في غزة "يهدد السلم الإقليمي وأمن الدول المجاورة"، ثم إشارة إلى أن قرار مجلس الأمن يأخذ في الاعتبار القرارات الصادرة سابقًا فيما يتعلق بالإطار الشامل للشرق الأوسط والقضية الفلسطينية بشكل خاص.
أكد صافي أن قرار مجلس الأمن هو تبني لكل ما ورد في خطة الرئيس ترامب لإنهاء النزاع، حيث أصبحت جزءًا لا يتجزأ من هذا القرار، ولا يجب قراءة قرار مجلس الأمن بمعزل عن هذه الخطة.
وبصفته باحثًا في القانون الدولي، لفت إلى أن هذا القرار لم يحدد إذا كان صادرًا في ضوء الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة أم الفصل السابع، وهي قضية مهمة جدًا يتوقف عليها مدى إلزامية هذا القرار. ومن المعلوم أن الفصل السادس مخصص للتسوية السلمية للنزاعات الدولية، أما الفصل السابع فيتعلق بالتسوية القسرية لهذه المنازعات.
وأعرب عن رأيه بأن هذا القرار صادر وفقًا للفصل السادس وليس الفصل السابع، على الرغم أن مجلس الأمن وصف النزاع من البداية على أنه "يهدد السلم والأمن الإقليميين أو الدوليين" ذي الطابع الإقليمي، وهو المفتاح لتطبيق الفصل السابع، ولكن المجلس لم يفعل ذلك. وخاصة أنه حال تطبيق الفصل السابع، فإننا نكون بحاجة إلى تكييف النزاع بأنه يهدد السلم والأمن الدوليين، لكنه قدم التكييف و لم يجعل قراره في إطار الفصل السابع.
وأكد صافي أنه كما ذكر يميل إلى أن القرار في إطار الفصل السادس، لأن جميع الإجراءات والتدابير المنصوص عليها في هذا القرار مبنية على موافقة الأطراف المعنية، وهذا هو جوهر العمل بالفصل السادس. أما الفصل السابع فهو يفرض التدابير دون أن يأخذ في الاعتبار موافقة الأطراف.
كما أن هذا القرار لم يعتبر حركة حماس طرفًا من الوجهة القانونية، بدليل أن الفقرة 17 من خطة ترامب نصت على أن تطبيق بنود الخطة – التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من القرار – سيتم في حالة "حتى عدم موافقة حماس أو إرجائها للموافقة"، ومن هنا فإن حماس ليست طرفًا لتطبيق القرار أو الخطة في ذاتها.
وجاء تحليل صافى لفقرات القرار على النحو التالى:
الفقرة الأولى: أعادت التأكيد على تأييد مجلس الأمن لخطة الرئيس ترامب، وإقرار المجلس أن الطرفين المعنيين هما الطرف الإسرائيلي من ناحية، والدولة الفلسطينية من ناحية أخرى، وطلب من جميع أطراف النزاع تبنى الخطة الشاملة والتنفيذ بحسن نية، وهو أمر له قيمة كبيرة في القانون الدولي.
وملاحظاتى هنا أنه تم التأكيد مرة أخرى على خطة ترامب وأنها جزء من القرار على الرغم أنها وردت في الديباجة، ونحن كقانونيين نعلم أن ما يرد في الديباجة من أحكام عامة يجب التأكيد عليها في صدر القرار وإكسابها الطابع الملزم. وأيضًا يلاحظ في هذه الفقرة استخدام مصطلح "يطلب مجلس الأمن من جميع الأطراف تنفيذ" ولم يستخدم مصطلح "يدعو" كما يشير النص العربي، وهذا فارق كبير، وخاصة أنه معلوم أن الدعوة قد تجاب وقد ترفض، أما الطلب فيتميز بنوعية من الإلزام في اعتقادي.
الفقرة الثانية: تتحدث عن موافقة مجلس الأمن على إنشاء "مجلس السلام"، وهو إدارة انتقالية مزودة بالشخصية القانونية الدولية. وهذا أمر كبير جدًا في القانون الدولي، حيث بهذا الوضع تصبح شخصًا من أشخاص القانون الدولي. وتضمنت الفقرة أيضًا أن يُخَتص المجلس بقيادة العمل لإعادة بناء قطاع غزة وتنسيق عملية التمويل. والفقرة التالية نصت على أن مجلس السلام مؤقت لحين استكمال السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي.
ونص أيضًا على إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية، ولكن بشرطين: الأول هو تنفيذ السلطة الفلسطينية لبرنامجها الإصلاحي، والثاني هو التقدم في عملية بناء قطاع غزة، مع عمل حوار شامل بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية لإقامة الدولة الفلسطينية.
وملاحظاتى هنا أن القرار في هذه الفقرة لم يحدد طبيعة تشكيل مجلس السلام، وخاصة أن الفقرة التاسعة من خطة ترامب قالت أنه سيكون برئاسة الرئيس ترامب وعضوية رؤساء دول آخرين لم يسم منهم سوى توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق. ولم يحدد القرار أو خطة ترامب الجهة التي ستكون منوطة بتشكيل هذا المجلس،كما أن القرار منح مجلس السلام الشخصية الدولية القانونية، وهذا أمر طبيعي حتى يتمكن من التعامل مع الشخصيات القانونية الدولية الأخرى كالدول والمنظمات. كما أن هذه الفقرة وضعت إطارات مشروطة لتوقيت عمل مجلس السلام، وهذا أمر طبيعي أيضًا، "والكرة الآن أصبحت في ملعب السلطة الفلسطينية"، ولاسيما أن القرار يتضمن عهدًا أمريكيًا بمواصلة الحوار بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وفي المجمل، أرى ذلك يعد مكسبًا للفلسطينيين في ضوء الظروف المعاصرة وأن يُبْنَى عليه في الاتجاه الصحيح.
الفقرة الثالثة يوجد بها حديث بشأن المساعدات الإنسانية وأهمية الاستئناف الخاص بها من خلال الأمم المتحدة والهلال الأحمر والصليب الأحمر، وتأكيد مجلس الأمن على أهمية ضمان استخدام المساعدات لأغراض سلمية وعدم تحويل وجهتها ليد الجماعات المسلحة.
و يعتبر هذا تبنيًا لوجه النظر الإسرائيلية والتي تروج بأن المساعدات تستخدم لأغراض غير سلمية. والانتقاد الذي يوجه لهذه الفقرة هو أن المساعدات الإنسانية يتم إدخالها بالتنسيق مع مجلس السلام، وهو الذي لم يُشكل حتى الآن، "ويعنى هذا أننا سننتظر لإدخال المساعدات الإنسانية بالشكل المرضي حتى يتشكل مجلس السلام". وفي إطار احترام القواعد الدولية السارية، هناك تأكيد على احترام قواعد العمل بالمعابر وخاصة معبر رفح، "وهذا أمر يهم المصريين"، وخاصة أنه له تنظيم خاص به منذ عام 2005.
الفقرة الرابعة تنص على أن مجلس الأمن يعطي للدول الأعضاء المشاركة في مجلس السلام الاختصاصات الخاصة بإبرام جميع الاتفاقيات الدولية الضرورية لتحقيق أهداف الخطة الشاملة لترامب، ولاسيما الاتفاقيات الخاصة بالحصانات والامتيازات وتسهيلات القوة الدولية وعملية حفظ السلام التي ستتم في غزة مع السلطة. أيضًا لإنشاء كيانات تشغيلية سواء كانت شركات أو مؤسسات إذا لزم الأمر بالشخصية القانونية الدولية.
ويعد هذا أمرا خطيرا جدًا. وهذه الكيانات هدفها الأساسي أنها تساعد مجلس السلام لتحقيق وظائفهودعم وجود لجنة فلسطينية لإدارة الحياة اليومية في غزة تتكون من تكنوقراط فلسطينيين أكفاء، وهذا سيكون بتنسيق من خلال جامعة الدولة العربية. وأكدت الفقرة الخامسة على أن الكيانات التشغيلية المشار لها بالفقرة الرابعة سوف تنجز مهامها تحت السلطة والرقابة من مجلس السلام ويلاحظ أنه كان الأولى أن لا تعطى الصفة القانونية الدولية مادام الأمر بهذه الصورة. وهذا يبين أن مجمل فقرات القرار غير نافذة بذاتها وتحتاج لاتفاقيات لاحقة، ومثال على ذلك عدم وجود آليات واضحة لتمويل الإعمار.
وفى الفقرة السادسة: مجلس الأمن طلب من البنك الدولي والمؤسسات المالية الأخرى تسهيل توفير التمويل لدعم الإعمار، بما في ذلك إنشاء صندوق يدار من خلال المانحين ويلاحظ هنا أن النص العربي يتكلم عن "دعوة"، والنسخة الإنجليزية تتحدث عن "طلب" من البنك الدولي.
وتعد الفقرة السابعة وهي فقرة مهمة من القرار وعليها ملاحظات كثيرة جدًا، حيث أن مجلس الأمن يأذن للدول الأعضاء التي تتعاون مع مجلس السلام ولمجلس السلام ذاته أن ينشئ قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة، وسوف تُنشر تحت قيادة موحدة يقبلها مجلس السلام، وتتألف من قوات تقدمها الدول المشاركة بالتعاون والتشاور مع مصر وإسرائيل.
والملاحظ هنا أن هذه فقرة مهمة جدًا، وخاصة أنه أحيانًا يوجد في قوات حفظ السلام قوات تكون لها مصالح ومآرب تختلف مع التوجهات المصرية، وبالتالي "نسطيع أن نرفض وجودها". كما أنه يحق للقوة الدولية اتخاذ التدابير اللازمة لأداء مهمتها في إطار احترام القانون الدولي الإنساني. كما أنه يجب أن تتعاون هذه القوة مع مصر وإسرائيل دون المساس بالاتفاقيات السابقة بين مصر وإسرائيل. والنقطة المهمة هنا هي الانسحاب من قطاع غزة بمجرد بسط القوة الدولية نفوذها على القطاع، وهذا أمر يحتاج وقت لا يقل عن عام، والانسحاب يكون تدريجيًا وعلى مراحل ووفقًا لتدرج عملية نزع السلاح.
أيضا الأمم المتحدة قامت بعمل نحو 80 عملية من عمليات حفظ السلام على نفس هذه الطريقة، ولكن إنشاء القوة الدولية في قطاع غزة لم يتم مثلما تم في العمليات الأخرى، حيث أن مجلس الأمن لم ينشئها من الأساس بشكل مباشر، حيث أنه أذن للدول ومجلس السلام بإنشائها. وهنا مجلس الأمن فوض الدول ومجلس السلام، وللحقيقة أن مجلس الأمن من الأساس مفوض من الأمم المتحدة، وهذا لا بأس ولكنه مختلف عن منهج إنشاء القوات الدولية في العمليات السابقة. كما أن مجلس الأمن في حال غزة ترك أمر مشاركة الدول في القوة الدولية للدول الراغبة بالتعاون مع مصر وإسرائيل، بعكس ما هو مألوف في أنه يكلف الأمين العام للأمم المتحدة لتلقي طلبات المشاركة ثم يقوم الأمين العام بالاختيار من بينها وفقًا لمعايير واضحة في الأمم المتحدة. كما أنه من الغريب أن مجلس الأمن ترك عدم تحديد قيادة العملية وتركها لمجلس السلام، وخاصة أن ما كان يحدث من قبل أن الأمين العام للأمم المتحدة هو القائد الأعلى لعملية حفظ السلام، وهناك قائد عام وقادة ميدانيون يتكونوا من رؤساء الأفرع لكل دولة. كما أن القوة الدولية لا تعمل تحت قيادة مجلس الأمن بشكل مباشر، وإنما تحت إشراف مجلس السلام، والطبيعي هو أنها تعمل تحت إشراف مجلس الأمن. والغريب أيضًا بأن القوة الدولية لا تمول من ميزانية الأمم المتحدة كالمعتاد، وإنما من المساهمات الاختيارية. والشيء الخطير أيضًا بأن مجلس الأمن رخص للقوة الدولية باتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ مهمتها، وهذا أمر يسمح لها باستخدام القوة المسلحة."
وتتكلم الفقرة الثامنة عن أن تستمر جميع المكونات المدنية والأمنية التي أنشأها القرار حتى 31 ديسمبر 2027، ما لم يتدخل مجلس الأمن بقرارات مخالفة. وأي تبديل للقوة الدولية سوف يكون بالتنسيق مع مصر وإسرائيل والدول الأعضاء وفي الفقرة التاسعة: مجلس الأمن طلب من الجميع التعاون مع مجلس السلام في كل الأطر محل العمل وأشارت الفقرة الحادية عشرة: مجلس الأمن يرجو مجلس السلام تقديم تقرير مكتوب عن كل تقدم في تنفيذ هذا القرار أما الفقرة الأخيرة: فتتحدث عن أن مسألة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية ستبقى قيد نظر مجلس الأمن.