رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين.. الجندي: رحمة الإسلام امتدت لتشمل العالم

الدكتور أسامة فخري
الدكتور أسامة فخري الجندي

قال الدكتور أسامة فخري الجندي، رئيس الإدارة المركزية لشئون المساجد والقرآن الكريم، يؤسس القرآن الكريم لمفهومٍ عميقٍ للإنسانية حين يخاطب الله سبحانه وتعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين ، وهي آية جامعة اختزلت رسالة الإسلام في بعدها الإنساني الشامل، حيث لم تُحصر الرحمة في فئة أو جماعة، بل امتدت لتشمل العالم كله، مشيرًا إلى أن من هذا النص القرآني استلهم العلماء مفهوم الإنسانية باعتبارها وطنًا يتسع لكل مؤمن، وقيمة تتجلى في السعة، وفقه الشعور بالآخر، وصناعة المعروف، والتعاون، والتراحم، والتكامل بين الناس، فالإنسانية في جوهرها ليست شعارًا، بل سلوكًا عمليًا يُترجم في البذل والعطاء والسخاء والجود.


حوار نبوي يكشف طريق النجاة


وأضاف الجندي، خلال برنامج حديث الروح، المذاع على الفضائية المصرية، إن تتجسد هذه القيم بوضوح في أحد الحوارات العميقة التي دارت بين الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جلس أبو ذر إلى رسول الله جلسة المتعلم، وبدأ يسأله عن جوهر النجاة، سؤالٌ لا يزال يتردد في أذهان المؤمنين عبر العصور، وقال أبو ذر: يا رسول الله، ما الذي ينجي العبد من النار؟ فجاء الجواب النبوي واضحًا ومباشرًا: الإيمان بالله، والإيمان هنا لم يكن مجرد انتماءٍ شكلي، بل إيمانًا يُترجم إلى واقع عملي وسلوك يومي، ولم يكتفِ أبو ذر بالإجابة الأولى، بل سأل: أمع الإيمان عمل؟ ليؤكد النبي صلى الله عليه وسلم أن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن الفعل، فقال: أن تعطي مما أعطاك الله، وهنا يتسع مفهوم العطاء ليشمل المال، والعلم، والخبرة، والأخلاق، والتجربة الإنسانية، فكل ما وهبه الله للإنسان يمكن أن يكون بابًا للخير. فالإنسان لا يُقاس بما يملك فقط، بل بما يقدّم.


وأوضح، عندما تساءل أبو ذر: أرأيت إن لم يستطع العطاء؟ فتح النبي بابًا آخر بقوله: أن تعين ضعيفًا. فالله يهب بعض الناس طاقات وقدرات حُرم منها غيرهم، وهذه النعم ليست للادخار، بل للاستخدام في نصرة الضعفاء، ثم تتدرج الأسئلة، وتتعدد الأبواب، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: أن تعين مظلومًا، مستثمرًا الوجاهة والكلمة المسموعة في نصرة الحق. فإن عجز، فباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفتوح، باليد أو اللسان أو القلب، وهو أدنى الإيمان، وعندما يصل أبو ذر إلى أقصى درجات العجز، يبتسم النبي صلى الله عليه وسلم، في مشهد إنساني بالغ الدلالة، ويقول: فليمسك أذاه عن الناس. وهنا تبلغ الرحمة ذروتها؛ فحتى كفّ الأذى عن الخلق يُعد عبادة وطريقًا للنجاة.

 مفهوم الإنسانية في السيرة النبوية


وأشار إلى أن، اختتم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحوار بتأكيد عظيم، إذ يقول: من فعل خصلة من هذه الخصال جاءت يوم القيامة تمسك بيده حتى تدخله الجنة، رسالة واضحة بأن الخير، مهما بدا بسيطًا، لا يضيع عند الله، ويرسخ هذا الحديث مفهوم الإنسانية كما صوّره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد». فالجسد مكوّن من أعضاء مختلفة في الحجم والوظيفة والاحتياج، لكنها تتكامل لتصنع حياة واحدة.
وهكذا هي الإنسانية في الإسلام؛ اختلاف وتنوع، لكنه اختلاف يُنتج تكاملًا وتراحمًا، لا صراعًا وتنافرًا. إنها رسالة باقية تُذكرنا بأن النجاة ليست حكرًا على الأقوياء، بل مفتوحة لكل من طرق باب الخير بما يستطيع.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء