غينيا بيساو بين فوضى الانقلاب وضغوط الإقليم ومستقبل غامض
تعيش غينيا بيساو واحدة من أكثر مراحلها السياسية غموضًا واضطرابًا، وذلك بعد مرور نحو ثلاثة أسابيع على الانقلاب العسكري الذي أطاح بالمسار الانتخابي وأدخل البلاد في نفق مجهول، وسط انقسام داخلي حاد وضغوط إقليمية متصاعدة، وفقًا لوكالة "فرانس برس".
تطورات الأوضاع في غينيا بيساو
ففي الوقت الذي تستعد فيه المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) لبحث تطورات الأوضاع في غينيا بيساو خلال اجتماعها المرتقب يوم الأحد 14 ديسمبر، يتمسك الضباط العسكريون الذين استولوا على السلطة في 26 نوفمبر بموقفهم الرافض لاستكمال العملية الانتخابية، رغم تعهدهم بالتخلي عن الحكم خلال مدة لا تتجاوز عامًا واحدًا.

الظروف الحالية لا تسمح باستئناف الانتخابات المتوقفة
وكانت اللجنة الوطنية للانتخابات قد أعلنت في الثاني من ديسمبر توقف المسار الانتخابي رسميًا، وهو ما أكده لاحقًا المدعي العام الجديد للبلاد، أمادو تيجان بالدي، بحسب ما أوردته مجلة "جون أفريك".
وأوضح بالدي، المقرّب من الرئيس المخلوع أومارو سيسوكو إمبالو، أن الظروف الحالية لا تسمح فنيًا أو ماديًا باستئناف أو استكمال الانتخابات المتوقفة، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من المواد الانتخابية صودر على يد مسلحين خلال أحداث الانقلاب، ما حال دون إعلان النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية.
في المقابل، تطرح المعارضة رواية مغايرة تمامًا لما يجري على الأرض. فقد دعا زعيم المعارضة، فرناندو دياس دا كوستا، إلى تدخل إقليمي عاجل عبر نشر قوة تابعة لـ"إيكواس" داخل البلاد، معتبرًا أن ما جرى يمثل انقلابًا صريحًا على الإرادة الشعبية. ويؤكد دا كوستا أنه الفائز في الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في 23 نوفمبر، مطالبًا باستئناف العملية الانتخابية ونشر نتائجها التي جرى تعليقها عقب انقلاب 26 نوفمبر.
استعادة الأمن والنظام القومي
وبحسب تقرير "جون أفريك"، فإن قادة الانقلاب، الممثلين في القيادة العسكرية العليا لـ"استعادة الأمن والنظام القومي"، حسموا عمليًا قرارهم بإلغاء العملية الانتخابية.
ففي الثامن من ديسمبر، أعلنوا عن ميثاق انتقالي ينص على فترة انتقالية تمتد 12 شهرًا قبل تنظيم انتخابات جديدة، كما يمنع الميثاق قائد الانقلاب الجنرال هورتا نتام، ورئيس وزرائه إيليديو فييرا تي، من الترشح لأي منصب سياسي خلال المرحلة المقبلة. ويتضمن الميثاق كذلك قانون عفو يشمل ما وُصف بـ"أعمال تقويض النظام الدستوري" التي وقعت في 26 نوفمبر 2025.

شهد صعودًا سريعًا في السلم العسكري
وتثير الرواية التي يتبناها الرئيس السابق أومارو سيسوكو إمبالو بشأن الانقلاب كثيرًا من علامات الاستفهام، خاصة في ظل بروز شخصيات معروفة بقربها منه داخل هياكل السلطة الانتقالية الجديدة، وعلى رأسها الجنرال هورتا نتام.
فالأخير شهد صعودًا سريعًا في السلم العسكري؛ إذ شغل سابقا منصب قائد الحرس الوطني قبل أن يقال منه في سبتمبر 2023، ثم عين لاحقا رئيسًا للأمن الرئاسي بقرار من إمبالو، قبل أن يتولى رئاسة أركان الجيش بعد أشهر قليلة، وصولًا إلى تعيينه رئيسًا للمرحلة الانتقالية.
كما تتجه الأنظار إلى الجنرال توماس دجاسي، الذي كان يشغل منصب رئيس أركان الرئيس السابق، وتولى بعد 26 نوفمبر رئاسة أركان القوات المسلحة. ويُذكر أن دجاسي كان قائدًا للحرس الوطني خلال الاشتباكات التي شهدتها البلاد في فبراير 2022، والتي وصفها إمبالو حينها بأنها محاولة انقلاب فاشلة.
اتفاق غير معلن
ويرى التقرير أن الشكوك التي تثيرها المعارضة، رغم نفي الرئيس السابق لأي دور له في الانقلاب، تتعزز بسبب طبيعة اختيار رئيس الوزراء الانتقالي. بل إن مقربين من إمبالو يعترفون بأن تعيين إيليديو فييرا تي قد يكون جزءًا من "اتفاق غير معلن" جرى التوصل إليه مع مغادرة الرئيس السابق للسلطة، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويعمّق أزمة الثقة في المرحلة الانتقالية.
تمسك العسكر بخارطة طريق أحادية
وبين تشكيك المعارضة، وضغوط "إيكواس"، وتمسك العسكر بخارطة طريق أحادية، تبقى غينيا بيساو عالقة بين مسار ديمقراطي متعثر وانتقال سياسي محفوف بالمخاطر، في انتظار ما ستسفر عنه التحركات الإقليمية خلال الأيام المقبلة.

