تحرق القلوب وتسرق الكرامة.. «البشعة» نار العرف الموقدة
في واقعة أثارت غضبًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، تداول مستخدمون مقطع فيديو يُظهر شابة تجلس على الأرض في حالة من الهلع الشديد، بينما يعمد رجل إلى وضع أداة حديدية متوهجة، تشبه الجمر، على لسانها ثلاث مرات متتالية، في مشهد صادم ومروّع.
جاءت الواقعة في إطار جلسة عرفية بمحافظة الإسماعيلية، عُقدت للفصل في نزاع بين سيدة وزوجها، الذي اتهمها بعدم كونها “عذراء” قبل الزواج، مستندًا في ادعائه إلى حملها بعد فترة قصيرة من زواجهما.
وخلال الجلسة، خضعت الشابة لما يُعرف بطقس «البشعة» لإثبات براءتها ونفي اتهام الزوج، قبل أن تنتهي الجلسة وسط احتفاء من أسرتها، التي أطلقت الزغاريد عقب ما اعتبرته إثباتًا لبراءة ابنتهم.
ويعتقد القائمون على ممارسة «البشعة»، وهي طقس عرفي شديد القسوة، أن الأداة الحديدية المتوهجة تحرق لسان الكاذب، بينما ينجو الصادق دون أذى، في اعتقاد لا يستند إلى أي أساس علمي.

انتشار واسع في الصعيد والريف
وينتشر طقس «البِشعة» على نطاق واسع في بعض محافظات الصعيد والمناطق الريفية، حيث يروج له أشخاص يطلقون على أنفسهم ألقابًا مثل «شيوخ» أو «بشّاعين».
ولم يتوقف الأمر عند الممارسة التقليدية، إذ يمتلك بعض من يزاولون «البشعة» صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي يتابعها آلاف الأشخاص، يبثون من خلالها مقاطع مصورة لحالات خضعت لهذا الطقس، مرفقة بأرقام هواتف للتواصل، في صورة أقرب إلى الدعاية العلنية.
وفي ظل الجدل المجتمعي الواسع، سارعت دار الإفتاء المصرية إلى توضيح عبر صفحتها على «فيسبوك»، أن «البشعة» ممارسة محرّمة شرعًا، ومخالفة لمقاصد الشريعة الإسلامية التي تقوم على صون الكرامة الإنسانية وحماية النفس من الإيذاء.
وقبل أن تصبح مقاطع «البشعة» مادة متداولة على شاشات الهواتف، ظل هذا الطقس العرفي يُمارس لسنوات طويلة في الخفاء، باعتباره حكمًا نهائيًا لا يقبل الطعن، و«اختبارًا إلهيًا» يفصل بين الصادق والكاذب.
واليوم، ومع خروج «البشعة» إلى العلن، يفرض السؤال نفسه: كيف نشأ هذا الطقس؟ ولماذا استمر حتى الآن؟ ومن المستفيد من بقائه، رغم ما يحمله من عنف وانتهاك جسدي ونفسي تحت ستار البحث عن الحقيقة؟
كيف نشأت البشعة؟
طقس يعود إلى عصور قديمة، يستند إلى موروثات شعبية ترى في النار أداة للعدالة، وتمنح من يضع الحديد المتوهج على الألسنة سلطة القاضي، دون سند شرعي أو علمي أو قانون، بحسب الدكتور فودة السيد فودة، المتخصص في النظم التشريعية الإسلامية.
ظهرت البِشعة بصورتها التي تعتمد على المحنة بالنار في البيئات القبلية في شبه جزيرة سيناء وبعض مناطق الصعيد، وكانت تُعد وسيلة لحسم النزاعات في غياب سلطة قانونية قوية.
وتاريخيًا، ارتبطت بما عُرف في الحضارات القديمة بـ«اختبار المحنة» الذي كان يُستخدم في أوروبا في العصور الوسطى، حيث يُعرّض المتهم للنار أو الماء لإثبات براءته.
وجاء الإسلام، ليقضى على هذه الظواهر المنافية للعقل والشرع بقوله تعالى: (وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ)؛ فأحال أمر العقوبات إلى القضاء المنظم، محققًا العدالة والاستقرار.
وقال فودة لـ«إيجبتكِ» إن طقس «البشعة» يمثل أحد أشكال «الامتحان البدائي» الذي اعتمد على الخرافة والخوف والإذعان، ولم يكن يومًا وسيلة مشروعة لكشف الحقيقة، بل ممارسة قائمة على ترهيب الإنسان وإخضاعه للألم.
وشدد على أن «البشعة» محرَّمة شرعًا، ولا يجوز الاعتماد عليها في إثبات حق، أو نفي تهمة، أو إصدار حكم بأي حال من الأحوال، مؤكدًا أن علماء الأمة أجمعوا على أن الأحكام الشرعية لا تُبنى على الظنون ولا على التجارب البدائية، وإنما تقوم على البيِّنات الشرعية التي حددها القرآن الكريم والسنة النبوية، مثل الشهادة العادلة، والإقرار الصريح، والقرائن القوية المعتبرة.

عادة جاهلية
وأضاف فودة أن إيقاع الألم بالإنسان بقصد انتزاع الحقيقة يدخل صراحة في باب التعذيب المحرَّم شرعًا، مشيرًا إلى أن «البشعة» عادة جاهلية لا يجوز إحياؤها أو الترويج لها، ولا يملك أي شخص حق إكراه إنسان على الخضوع لها.
وتابع أن أن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ النفس والكرامة وتحقيق العدل، وهي مقاصد تُنتهك بالكامل من خلال ممارسة «البشعة»، التي تقوم على الإيذاء لا على الحق.
وأكد أنها محرَّمة شرعًا ومجرَّمة قانونًا، وأن ما ينجم عنها من أذى يُعد ظلمًا وخطأً عظيمًا، داعيًا أهالي القرى والريف إلى ضرورة الاحتكام إلى القضاء، وترك ما تعارفوا عليه من ممارسات لا تمت إلى الدين بصلة.
وأوضح فودة أن الدولة تمتلك اليوم وسائل علمية حديثة لكشف الحقيقة، تغني تمامًا عن طقوس مهينة تنتهك كرامة الإنسان بلا دليل، متابعًا أن العدل لا يُؤخذ بالنار، بل بالحق، ولا يُعرف بالترهيب، بل بالحجة والبيِّنة.
ومن جانبه، اعتبر الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن طقس «البشعة» يُعد ممارسة شديدة الخطورة، تمثل إهانة جسدية ونفسية جسيمة، لا سيما بحق النساء، فضلًا عن كونها انعكاسًا مباشرًا لاستمرار مفاهيم وعادات قديمة تتصادم مع تطور المجتمع ومع مبادئ حقوق الإنسان.
وأوضح صادق لـ«إيجبتكِ»، أن استمرار مثل هذه الممارسات يكشف وجود «الجيوب» داخل المجتمع المصري، لا تزال تعيش خارج إطار الدولة الحديثة، وتمارس أشكالًا متعددة من الخرافة، من بينها «البشعة»، مشيرًا إلى أن السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى التباين الكبير في المستويات الاجتماعية والثقافية بين فئات المجتمع المختلفة.
وأضاف أن هناك مجتمعات شبه منعزلة لا تزال تنتشر فيها ممارسات مثل السحر والشعوذة وختان الإناث وغيرها من الطقوس التي تُعيد إنتاج العنف تحت غطاء العرف والتقاليد.
وشدد أستاذ علم الاجتماع السياسي على الدور المحوري للتعليم في القضاء على الخرافات، مؤكدًا أن تربية الأطفال على التفكير النقدي، والبحث والتحقق من صحة ما يسمعونه، تمثل خط الدفاع الأول لتحصين المجتمع ضد الممارسات البدائية.
وأشار صادق إلى أن التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية في مصر ما زالت غير متوازنة، ما أدى إلى نشوء «ثقافات موازية» داخل بعض المناطق، خصوصًا في البيئات البدوية، وبعض المناطق الريفية، وأجزاء من العشوائيات الحضرية، حيث يعيش سكانها بثقافة مختلفة عن الثقافة العامة السائدة.
ولفت إلى أن هذه المجتمعات ما زالت عالقة في أنماط تفكير تعود إلى عصور ما قبل الدولة، وعصور السحر والزار و«البشعة»، وهي ممارسات تُعيد إنتاج العنف والتمييز باسم التراث.
وانتقد صادق لجوء بعض ممارسي هذه الطقوس إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ينشئون صفحات للترويج لأنفسهم، مستغلين أدوات العصر لنشر الجهل، وتكريس ممارسات وعادات متخلفة تنتهك حقوق الإنسان ولا تستند إلى أي أساس علمي.

النساء الضحايا الأبرز
وأكد أن النساء يشكّلن النسبة الأكبر من ضحايا «البشعة» وغيرها من العادات الجاهلية، موضحًا أن الثقافة الذكورية السائدة تلعب دورًا أساسيًا في تحميل المرأة مسؤولية كل المشكلات، وتحويلها إلى الحلقة الأضعف في النزاعات الأسرية والاجتماعية.
وأكد أستاذ علم الاجتماع السياسي، ضرورة مواجهة هذه الممارسات وعدم التعايش معها تحت أي مبرر، مطالبًا بوقف الجلسات العرفية التي تنتهك كرامة الإنسان، والاحتكام الكامل إلى القانون باعتباره الإطار الوحيد القادر على تحقيق العدالة وحماية الحقوق.
جريمة لا عرفًا ولا قانونًا
وتتجاوز البشعة كونها جريمة أخلاقية واجتماعية إلى كونها جريمة قانونية مكتملة الأركان يعاقب عليها القانون، لما تنطوي عليه من إيذاء جسدي وتعذيب وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان، وفق الدكتور فؤاد عبد النبي، الفقيه القانوني.
أكد عبد النبي لـ«إيجبتكِ»، أن ممارسة «البشعة» أن قانون العقوبات يجرّم أي فعل يؤدي إلى الإيذاء البدني، سواء تمثل في إحداث جروح أو حروق، كما يجرّم تعذيب المتهم أو ممارسة أي شكل من أشكال الإكراه لحمله على الاعتراف.
افتئات على القضاء وأخذ للحق باليد
وأشار إلى أن هذا طقس يُعد افتئاتًا على سلطة القضاء، وجريمة تحالف على إقامة العدالة ذاتيًا، باعتباره صورة من صور أخذ الحق باليد، وهو ما يتعارض مع أسس الدولة الحديثة وسيادة القانون.
وأضاف أن القضاء سبق أن نظر في قضايا تتعلق بالتعذيب الشعبي أو التحكيم الأهلي القائم على العنف، وصدر فيها أحكام بالحبس أو السجن بحق المنفذين، مشددًا على أن القانون يمنع منعًا باتًا أي ممارسات أهلية خارج الإطار القانوني.
وبيّن عبد النبي أن «البشعة» تقوم على تخمينات باطلة لا تستند إلى دليل أو برهان، مؤكدًا أن القضاء وحده هو الجهة المختصة بالفصل في التهم والخصومات، اعتمادًا على الأدلة الشرعية والقانونية، وليس على طقوس أو ممارسات بدائية.
وشدد على أن «البشعة» ممارسة تجاوزها الزمن، وتخالف مقاصد الشريعة التي صانت الجسد وحرّمت الإكراه، كما تتناقض مع القوانين التي تجرّم التعذيب والاعتداء على الإنسان وكرامته.
كما أكد الفقيه القانوني أن تعزيز دور القضاء هو الطريق الأمثل لحماية المجتمع وتحقيق العدالة، داعيًا إلى تكاتف الجهود بين الحكومة والمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني لاستئصال هذه الظاهرة، من خلال رفع مستوى الوعي وتطبيق القانون بحزم.

طقس يزيّف العدالة ويشرعن العنف
أكد الدكتور أحمد بيومي، إخصائي الصحة النفسية، أن «البشعة» لا يمكن اعتبارها وسيلة لإثبات الحقيقة بأي حال، واصفًا إياها بأنها ممارسة غير إنسانية لا تحترم العقل أو الجسد، ولا تستند إلى الشرع أو العلم.
وأوضح بيومي لـ«إيجبتكِ»، أن لهذه الممارسة آثارًا نفسية ومجتمعية بالغة الخطورة، إذ تعزز منطق الخوف بدلًا من الثقة في القانون، ليصبح الصمت أو تحمّل الألم بديلًا عن قول الحقيقة، وهو ما يؤدي إلى تشويه مفهوم العدالة وتحويل جسد الإنسان إلى أداة «حكم» بدلًا من الدليل والبرهان.
تشويه العدالة وتهميش الضعفاء
وأشار إلى أن «البشعة» تسهم في تقويض الثقة بالمؤسسات القضائية، وتمنح سلطة مفرطة للعُرف ومن يتحكم فيه، في مقابل تهميش صوت الضحية أو الطرف الأضعف، فضلًا عن وصم أبرياء لا ذنب لهم.
وأضاف بيومي، أن من أخطر الآثار النفسية لهذا الطقس تطبيع الإيذاء الجسدي بوصفه وسيلة لتحقيق العدل، وهو ما يفتح الباب أمام أشكال متعددة من العنف الرمزي والجسدي داخل العلاقات الاجتماعية، ويجعل القسوة أمرًا مقبولًا تحت ستار العدالة.
وشدد إخصائي الصحة النفسية على أنه لا يوجد أي تفسير علمي موثوق يفسر احتراق لسان شخص وبقاء آخر سالمًا، موضحًا أن الاعتقاد السائد لدى ممارسي «البشعة» يقوم على تصور خاطئ، بأن الكذب يولّد توترًا نفسيًا يؤدي إلى جفاف اللسان ومن ثم احتراقه، بينما يكون لسان الصادق رطبًا فيحميه من الأذى.
استجابات بيولوجية لا علاقة لها بالذنب
وبيّن بيومي أن هذا الاعتقاد غير صحيح علميًا، لأن ما يحدث لا يتجاوز كونه استجابة بيولوجية فردية مرتبطة بالخوف والقلق والتوتر النفسي، وليس لها أي صلة بالذنب أو البراءة.
وأكد إخصائي الصحة النفسية، على ضرورة تكثيف التوعية بخطورة هذه العادات الجاهلية، والاحتكام الحصري إلى القانون بوصفه الضامن الحقيقي للحقوق والكرامة الإنسانية.