من «أهل الكهف» إلى «المهاجر».. أعمال أدبية وفنية تقدمت على زمنها
تظهر بعض الكتابات الأدبية الإبداعية التي تتقدم على زمنها، فتسعى لكسر القوالب السائدة وتجريب آفاق جديدة في الشكل والرؤى واللغة أيضًا، ولكن هذه المحاولات تلقى رفضًا وهجومًا، إذ تعد خروجًا عن المألوف وتهديدًا للاستقرار الثقافي، ولكن سرعان ما يتقبلها المجتمع وتصبح نماذج مقبولة واعتيادية ومكونًا للمشهد الأدبي الثقافي.
ومن أبرز النماذج التي لاقت في بداية الأمر نفورًا، ثم تقبلها المجتمع "المسرح الذهني لتوفيق الحكيم"، الذي بدأ بكتابة مسرحية "أهل الكف"، التي يقول في كتابه "زهرة العمر"، إنه بدأ في كتابتها عام 1929، إلا أنها لم تنشر إلا في عام 1933، فمن خلال هذه النظرة جعل توفيق للحوار قيمة أدبية ليُقرأ على أنه أدب وفكر.
المسرح الذهني
ويعد المسرح الذهني فنًا لم يبتكره توفيق الحكيم، بل هو اتجاه عام ظهر في القرن الماضي في الآداب العالمية فيما يسمَّى ﺑ «الدراما الحديثة» التي ابتدأها إبسن النرويجي.
اتخذ توفيق الحكيم من الأغنية التراثية، "يا طالع الشجرة هات لي معاك بقرة"، عنوانًا لهذه المسرحية، رابطًا بين فنِّ اللامعقول من ناحية، والرمز من ناحية أخرى؛ فالأغنية في معناها الحرفي غير معقولة؛ إذ يستحيل أن نجد بقرةً فوق الشجرة، ولكنها في جوهرها محملة بالرمز؛ إذ إنها موال يجري على لسان رجل فقير يسأل من اغتنى أن يجود عليه ببقرة تسقيه شيئًا من حليبها؛ وبذلك يؤكد «الحكيم» على تأصل اللامعقول في تراثنا الشعبي.
وتنتمي المسرحية في ظاهرها إلى مسرح اللامعقول، ويبدو ذلك جليا في المشهد الذي جمع بين الزوجين بطلي المسرحية وهما يتحاوران ظاهريا، ولكن الحقيقة أن كلا منهما يحدث نفسه عن الموضوع الذي يشغله، فيرمز الحوار في جوهره إلى الصراع بين الفن مجسدًا في الزوج الذي يرعى شجرة فنه، والحياة مجسدة في الزوجة التي ترعى جنينَها.
مسرح الستينيات
وعرف عن نعمان عاشور الكاتب المسرحي، الذي خلق بعدًا اجتماعيًا فيما عرف لاحقًا بـ "مسرح الستينيات"، في مصر، وبخاصة من خلال مسرحية "الناس اللي تحت"، التي انطلقت من حماس الثورة المصرية لتنتهي بمسرحية "الناس اللي فوق"، التي تناولت الخيبة المطلقة وتراجعات سياسية كثيرة.
تقديم الشخصيات الدينية
ورغم أنه عرف عنه تقديمه للشخصيات الدينية، ولكنه لم يقدم شخصية سيدنا الحسين بشكل مباشر في أعماله، بل ركز على قضايا المسرح الاجتماعي والواقعي التي تعكس حياة الناس البسطاء والصراعات الطبقية، ولكن من قدمه كان عبد الرحمن الشرقاوي خاصة في مسرحيته الخالدة "الحسين شهيدًا".
وحذى على نفس نهج نعمان صديقه الشاعر والكاتب عبد الرحمن الشرقاوي، الذي نقل ذلك المسرح من بُعده الاجتماعي، إلى ما سيعرف بالتاريخ المُسيس، واشترك الاثنان لعمل إسقاط مباشر وغير مباشر، مما جعلهما يخوضا التجربة، ولكن الشرقاوي كان يتمتع بحماية تمكنه من عدم الوقوع في براثن الرقابة.
ويُمكن القول بأن الشرقاوي، كان يحتمي بمكانة في كتابته لأولى مسرحياته "الغاضبة"، والتي كتبها عندما بدأ يلاحظ على الثورة انحرافات قاتلة وعلى السلطات المصرية تصرفات مدمرة ولا سيما من خلال المشاركة في حروب الآخرين (الحرب التي تورط بها عبد الناصر في اليمن مثلاً).
المهاجر
وفي الأثناء، نجد فيلم المهاجر ليوسف شاهين، الذي أثار ضجة عند نزوله السينما حتى أنه منع من العرض لتناوله قصة مأخوذة من حياة أحد الأنبياء، ويتميز الفيلم بضخامة الإنتاج والإخراج المميز ليوسف شاهين، كما أن الفيلم شارك في المسابقة الرسمية في مهرجان كان السينمائي، وعلى إثره رفع يوسف شاهين دعوى قضائية لعرض الفيلم والتي حُكِمَ لصالحه فيها بعد عرض فيلمه المصير الذي قام بكتابته وإخراجه ردًا على منع فيلم المهاجر.
نقد الفكر الديني
عُرف عن فرج فودة نقده للفكر الديني، والذي أصبح مطروحًا حاليًا للنقد والنقاش، وهو صاحب الجملة الشهيرة "ببساطة أنا ضد تطبيق الشريعة فورًا أو خطوة بخطوة، وإذا كان عدم تطبيق الشريعة معصية، فلتكن معصية نسعد بارتكابها، اتقاءً لما هو أسوأ، وهو الفتنة الطائفية!".
وشهدت الساحة المصرية اغتيال فرج فودة، بسبب مناظرة كانت حول الشريعة والحاكمية والتي ترتب على إثرها تكفير فودة لمواقفه، وهي المناظرة التي وقف فيها فرج فودة ومحمد خلف الله على طرف ومحمد الغزالي ومحمد عمارة ومأمون الهضيبي ونفذت الاغتيال "الجماعة الإسلامية" عند خروجه من مكتبه برشاش آلي.
واتسمت كتابات فوده بالدعوة إلى العلمانية والتي تعتبر الخيط الناظم لأفكاره بصورة مضطردة، إلا أن ما يمكن ملاحظته، هو أن فودة ابتعد عن الأسس المعيارية والفلسفية التي عادة ما يستند عليها منظري العلمانية. ويمكن تبيان ذلك حينما تناول العلمانية في كتابه الذي خصصه لها (حوار حول العلمانية) والذي يعد بحسب شهادته، أنضج ما كتب وأكثر الكتب محبة إليه إذ يقول: "ولعلي أصارح القارئ بأن هذا الكتاب هو الأثير لدي لكونه حصيلة اجتهاد وجهاد".
امتلأ الكتاب بسجالاته التي خاضها مع فهمي هويدي وصلاح أبو إسماعيل وبمعاركه الشخصية التي خاضها، مغفلا أهمية التأسيس للعلمانية كتدعيم لأصلها الفلسفي وتطبيقها المدني، وذلك على غرار طرحها من قبل منظري العلمانية العرب كما فعل عادل ضاهر على سبيل المثال في كتابه (الأسس الفلسفية للعلمانية) أو عزيز العظمة في طرحه للتساؤل حول ماهية العلمانية ذاتها والحدود المكونة لها، كذا طبيعة تقاطعاتها الإبستمولوجية مع الأخلاق والدين.

