حينما صاغ الأديب العالمي الكبير "نجيب محفوظ" (1911: 2006م) مقولته الفلسفية عن أحد أهم حوارييه: الأديب الكبير "يوسف القعيد" (ولد 1944م)، بقوله: "يتكلم فكاهة.. ويكتب مأساة"؛ هل كان "محفوظ" – آنذاك - وهو يلتقط صيده الثمين بتلك المفارقة يستبطن نموذجا معرفيا صارما؟.. وهل يستحق هذا النموذج أو (البارادايم) المجازفة بالغوص لسبر أغوار كوامنه، والبحث عن كنه منطلقاته، والتتبع الحثيث لبعض من تجلياته؟
لأن الظن يشير للمتأمل بأن قول "محفوظ" هاهنا، إنما هو صياغة لهذا "البارادايم" الصادح فكرا، بمفارقاته الثمينة، وبمنطوقه الصارخ صخبا: (يتكلم فكاهة.. ويكتب مأساة): (يضحك في مقابل يبكي)؛ إذ لو بدا على شخص الإنسان "محمد يوسف القعيد" ذاك الشق الأول من النموذج لمخالطيه، والقائل: "يتكلم فكاهة"، فلن يكون مدهشا أن يبدو ذلك داخل الإطار الذاتي؟.. لكن من المؤكد أن الموضوعية ستغازل الشق الثاني منه، والقائل: "يكتب مأساة"، لو ثبت تأثر كتابات "القعيد" بها.
أم أنها متلازمة "القعيد" الأدبية في مفارقاتها الأثيرة، والتي تحلق بجناحيها: سهولة الحضور الشخصي، وتركيبية الأفكار العميقة؟.. وإلى أي مدى كان أثر الشخصي (الذاتي) على الفكري (الموضوعي) في مشروعة الأدبي؟ وهل من الممكن الفصل في نصوصه بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي؟.. ربما كان الشك هنا هو سيد الموقف، لأن الظن يرجح بأن فكاهية "القعيد" ما هي إلا مأساة "كتاباته" نفسها، كوجهي العملة لا كفرسي الرهان.. ربما !!
ولعل تطوافة عابرة على بعض من أعماله، لتدلل - بشكل ما - على تداخل "الذاتي" مع "الموضوعي" بمشروعه الفكري المنحاز ذاتيا، والمتجرد موضوعيا للمكان (القرية)، بوصفها إحدى تجليات الوطن الكبير (مصر)، كما انحاز "محفوظ" بنفس المنطق لـ "الحارة"؛ إذا لا خيار للعاشق في الانحياز وجوبا لمعشوقته، بما يشبه "حتمية الانتماء" التي تحددها الهوية، والتي لا تنفي فكرة خصوصية كل مكان عن الآخر، ولا فكرة التنوع داخل الإطار الجامع للوطن الكبير، بما يجعل الإنسان ينحاز لكثير من انتماءاته التي تشكلها خريطته الإدراكية شاء أم أبى؛ وهذا ما اختصره "يوسف القعيد" في مقولته الفلسفية العميقة: "كانت البحيرة بالنسبة لي، وما زالت وستظل هي الوطن. هي مصر كلها".
وبمراجعة بعض المآسي والمفارقات من رواياته؛ نلتقط بعض الحبات الدالة ومنها:
فربما تجلت المأساة برواية (الحِداد)، بتحول النص إلى بكائية لا ترى أي تجاوز للأزمة، وربما بدت المفارقة في توقف الحياة عند زمن مكرور. وأما مأساة رواية (أخبار عزبة المنيسي)، فتشير إلى هيمنة المعتقدات الشعبية على نمط تفكير بسطاء القرية، وتشير إحدى مفردات المفارقة إلى رمزية تلك الشجرة النابتة في مكان بكاء البطلة الدائم.
وفي رواية (أيام الجفاف) تتصاعد المأساة في الجنون التدريجي المتصاعد للمُعلم المغترب، وهو يكتب الخطابات لنفسه في منفاه الوظيفي، وكذا تبدو المفارقة في المزج بين السخرية من الأحلام المتناقضة والواقعية الطاحنة للإنسان. وفي رواية (البيات الشتوي) يأتي العرض الساخر لمأساة أمل البسطاء المجهول، ولآلام انتظارات التنمية المستحيلة المرافقة للانفتاح الاستهلاكي القاتل لكل ما هو ريفي، ومفارقة ذلك في كمون الحياة النابضة في "بيات شتوي" من الأحلام المؤجلة التي تنتظر سطوع فجر كاذب.
وأما رواية (يحدث في مصر الآن)؛ فمأساتها ساخرة من عصر المعونات الأمريكية، ومفارقتها في تزامنية زيارة الرئيس الأمريكي للقرية مع جريمة قتل وحشية في آن واحد. وكذا رواية (الحرب في بر مصر) تحمل مأساة ضياع هوية الشاب "مصري" لصالح حصادات الكبار في الماضي والمستقبل، وتثار مفارقتها في فوز الكبار بالغنائم المادية والعيش الرغيد، وبالغنائم المعنوية بحوز شرف الشهادة، بل ويحق عبء الحزن – كرها - في الحالتين على الفقراء دوما.
ورواية (شكاوي المصري الفصيح) بأجزائها التي تدلل على مآسٍ ثلاث، إذ تعبر جميعها على مأساة "التطبيع"، التي جسدها الكاتب بقوله: "إن دور الدولة هو حماية نوم الأغنياء من أرق الفقراء !!"، أما المفارقة فيها فتتمثل في تحول ممثلي جيل السبعينيات لسكنى المقابر، ثم في عرضهم للبيع في ميدان التحرير كسلعة راكدة. ورواية (من يخاف كامب ديفيد) بتجسيده لمأسويات "التطبيع"، والمفارقة في الصفقة الخاسرة بمقايضة التطبيع بأمن الأوطان مع المغتصب.
ورواية (في الأسبوع سبعة أيام)، تعبر عن مأساة معاناة الفترة الرمادية من 67 إلى 73، والمفارقة كانت في عبثية الزمن الدوار بتوقف الحياة عنده. وفي رواية (القلوب البيضاء) تنفجر الكلمات من الصمت في مأساة وجع التلاقي بين العاشق الكهل والعاشقة العانس، والمفارقة في بلاغة الحوار الصامت الذي ساد الموقف.
أما رواية (بلد المحبوب) فتجسد مأساتها المركبة في ثمن الغربة المدفوع بفقد الأحباب وضياع الحلم في رحلة عاشق الوطن، والمفارقة في انتظار الخلاص بفيضان النيل بعد أن غرقت فيه المحبوبة باستدعاء أسطورة "عروس النيل" المصرية القديمة. وكذا رواية (وجع البعاد) تصور مأساة الفقر الشديد المترافق مع غربة الواقع المصري بالسبعينيات، والمفارقة في انكسار حلم العودة للوطن الكسير، ولو بشكل شريط كاسيت بصوت الابن المغترب.
إن رواية (مرافعة البلبل في القفص) تشير إلى مأساة البراءة والنقاء مع براثن الطغيان والإفساد في المدينة، والمفارقة في غياب حق المرافعة عن المرآة النقية في قفص الحياة والسلطة. وكذا رواية (خد الجميل) تعانق المأساة فيها قضايا المرأة والتمرد على التقاليد الاجتماعية القهرية في بيئة قروية متجذرة، والمفارقة فيها أنها تبرز معاناة المرأة المركبة في تعاملها مع رجل مقهور أصلا، إشارة إلى أن التحرر يبدأ من الرجل نفسه.
تظهر رواية (لبن العصفور) مآسي عالم الجريمة السفلي الوضيع في تعلقه بأهداب عالم البزنس ورجال الأعمال الكبار؛ حيث لا مكان لبناة الوطن من الطبقة المتوسطة، والمفارقة في أن الخلاص من براثن الانفتاح بات كمن ينشد وهما أو يناجي "لبن العصفور". أما رواية (أطلال النهار) فتتكلم عن رؤية يسارية لمآسي المجتمع المصري من انكسارات السبعينيات بعد التطبيع، والمفارقة تتكرر في التناقض الكامن بكل حالة من حالات تحقيق صحفي ميداني بمناسبة ذكرى النصر؛ حيث تقاوم البطلة صدمتها من نتائج التحقيق برفض إنجازه.
تتجلى في رواية (أربع وعشرون ساعة) مأساة المصريين مع زلزال أكتوبر 1992م، والمفارقة في مواقف عديدة تشير إليها البطلة بسؤال دال: "هل فات أوان إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟". وكذا رواية (قطار الصعيد) تعبر عن مأساة الجريمة في اليومي والمعتاد بالصعيد الجواني، والمفارقة في حكايات تفوق الخيال تكمن تحت سطح المنطوق به دوما.
تتشابك رواية (قسمة الغرماء) مع مأساة الركود المجتمعي العام من جراء معاهدة السلام والتطبيع، وشيوع هوس التطرف الديني، والمفارقات في النماذج المغتربة عن أوطانها بالداخل كما بالخارج. في حين تعبر رواية (مجهول) عن مأساة الهوس في أشكال التدين الريفية، والمفارقة في اختفاءات المعلوم وضياع مقدرات الفقراء؛ تعلقا بمجهول في انتظار كاذب؛ لما لا يأتي.
ربما تلازمت تلك المفارقة بكامل مسيرته أيضا لا برواياته فقط، فهو محب للحياة ويدعو إليها وإلى العيش الكريم فيها، لكن كل أبطال رواياته – تقريبا – منهزمون.. ويصرح بأنه جاء الدنيا ليعترض، لكنه صاحب مدرسة واقعية في معايشة الهم العام.. كما يدعو للحلم دوما، لكنه يرفض تصدير الأحلام الكاذبة – كما صرح - فيمارس الأمل ويكتب اليأس، وينتهي إلى الرواية المتشائمة، لكنه يراها تكتيك للأمل والدعوة إلى التغيير.. وهو من أشد مناصري العربية الفصحى، لكن يسعى لكتابه نصه العامي "لبن العصفور"؛ ممارسةً للتجريب !!
كما أنه قد ملأ الدنيا حضورا، وشغل الناس في كل روافد الثقافة، لكنه يصرح بأنه لم يشبع، ولم يتحقق بعد.. وهو رغم الاحتفاء الرسمي الدائم به مثقفا قوميا كبيرا، لكن تشاكسه مقصات الرقباء، كما حدث من كتلة المصالح الأمريكية، في التعتيم على فيلم "زيارة السيد الرئيس" الذي انتقد تجليات "كامب ديفيد"، ومن كتلة المصالح النفطية مع فيلم "البيات الشتوي".. وهو لا يحب جلد الأموات بالسير الذاتية، لكنه يعمل سوط نقده على الفيلسوف الكبير "عبد الرحمن بدوي" المتمرس في جلد الآخرين.. ودوما تنجح معظم أعماله التي تحولت إلى دراما، لكنه يزهد في طلبات تحويل إبداعاته إليها، كما الجواهري البخيل بجواهره؛ حتى أنه رفض أن يقوم الممثل العالمي "عمر الشريف" بتمثيل فيلمه فائق النجاح "المواطن مصري" - من إخراج "صلاح أبو سيف"، والمأخوذ عن روايته المأسوية (الحرب في بر مصر) - بل ويرى آنذاك أن الممثل العالمي الكبير أحد نقاط ضعف العمل بسبب زيارته لإسرائيل، ومع ذلك يصنف الفيلم بوصفه أحد أفضل مائة فيلم عربي في (2013م)، ومن قبل فقد حازت نفس الرواية على المرتبة الرابعة ضمن أفضل مائة رواية عربية في القرن العشرين !!
إن المفارقات التي تغلف مشروع "القعيد"؛ تبدو لي كما "الجديلة" في تشبيكاتها، اتصالا وانفصالا، والتي تكون بنية قوية، متعاضدة وجميلة، تبهج السامعين وتسر الناظرين، ويسايرها ذاك التناغم فيما بين تلك المفارقات، كما توافق الآلات الموسيقية حين عزفها "لحنا قعيديًا" بسيطا في مظهره؛ حين يراه البعض "فكاهيا"، وعميقا ومركبا في جوهره الهوياتي؛ حين مفاجأته للمتأملين بتلك الصدمة: "المأساة"، فعندما يتكلم "يوسف القعيد" يسمعه مخالطوه كما ألحان مقام (العجم) أو "الماجير" ((Major، ذاك المقام الموسيقي المبهج بما فيه من إحساس بالفرح والبهجة والوضوح؛ لكن "القعيد الأديب" حين يكتب؛ فهو يعزف لحنا هوياتيا حزينا كما ألحان مقام (الصبا)، والذي يُعد أكثر المقامات حزنًا وشجنا وقوة في التعبير عن الألم والفراق، وغالبا ما يصور كأن عازفيه يبكون.
ولعل هذا مما يبرر تصريح الأديب الكبير "محمد المنسي قنديل" بقوله: "إن يوسف القعيد أقرب أديب مصري لنيل جائزة نوبل، لأنه غزير الإنتاج وله خطه الواضح، مضيفًا أن القليل من الأدباء يمتلكون خطًا واضحًا".
يبدو أنها خلطة "القعيد" المتفردة، ويبدو أنها: طريقته الوعرة: "السهل الممتنع" دوما.. أو كما قال "نجيب محفوظ": "يتكلم فكاهة ويكتب مأساة".. ربما !!