حرية الصحافة ليست امتيازًا تمنحه السلطات ولا ترفا للصحفيين، هي حق عام وعمود أساسي في أي مجتمع ديمقراطي، الصحافة تقوم بوظيفتين متوازنتين إعلام الجَمهور والرقابة على الأداء العام .
لذلك عندما ينشر صحفي أو موقع تحقيقا أو خبرا عن مشكلة في سوق أو عن أثر مسروق أو عن فساد، يجب أن تقيم المعلومة على أساس التحقق والدليل، قبل المواجهة بين الطرفين، لأن هذه الوقائع تراكم صورة سلبية عن الاحتكاك بين الصحافة والسلطة، الذى ينتج أحيانا عن سوء فهم للطبيعة الرقابية لعمل الصحافة أو ميل لاستخدام القوة القانونية لردع أى نقد مشروع.
في سبعينات القرن الماضي حدث في أمريكا مثالان قانونيان مهمان مرتبطان بدور الصحافة في كشف الحقيقة أمام السلطة، قضية أوراق البنتاجون الشهيرة المتعلقة بنشر مستندات سرية حول حرب فيتنام، حيث حكمت المحكمة العليا ضد منع النشر (ضد الرقابة المسبقة).
وفي نص الحكم جاء تأكيد واضح : " الصحافة لخدمة المحكومين ، لا الحاكمين " , عبارة أوجزت روح الحماية الدستورية للصحافة من رقابة الحكومة، هذا القرار رسخ مبدأ أن السلطة لا تملك أن تمنع الصحافة من كشف أسرار ذات أهمية للجمهور إلا في حالات ضيقة جدا تتعلق بأمن قومي حقيقي.
قضية ووترجيت، التي كشفت عنها تحقيقات صحفية لواشنطن بوست، فضحت سلسلة من الانتهاكات التي قامت بها الإدارة الأمريكية ، وفي النهاية أمرت المحكمة العليا الرئيس نيكسون بتسليم أشرطة التنصت، واللافت هنا أن قرار المحكمة أكد أنه لا أحد فوق القانون وأن ادعاء السرية التنفيذية لا يبرر الحماية المطلقة من التحقيقات القضائية .
العبرة أن التعاون بين صحافة مستقلة وقيادة خاضعة للقانون، يمنح المجتمع القدرة على تصحيح المسار، في الولايات المتحدة، الصحافة لم تقمع عندما كشفت، بل كانت نقطة انطلاق لآليات دستورية ، تحقيقات قضائية، استدعاءات، محاكمات، وفي النهاية ساد مبدأ : أن الشفافية والمساءلة أهم من حماية رجال السلطة .
الصحافة القوية والمهنية ليست خصما للدولة بالمطلق، بل شريك ضروري لصحة المجتمع، لكن عندما تستخدم السلطة القوانين أو الأجهزة ضد صحفيين فهي تضعف ثقة الناس ،المطلوب حماية نقابية وقضائية للصحفيين، وحوار مؤسسي مع وسائل الإعلام .
الصحفي حين يكتب لا يقف في جهة معارضة أو موالاة ولا يرفع راية صراع، بل يحمل بين يديه هم الناس وخوفهم وأسئلتهم، ويسهر لكي لا تتحول الحقيقة إلى جريمة، ويصر على أن يكون الموت دفاعا عن كلمة أقرب إلى الحياة من الصمت، ولكن حين تتحول السلطة إلى خصم، وحين يغدو البلاغ سيفا والقانون أداة لتأديب من يجرؤ على السؤال، يصبح الخوف سيد اللحظة، وتصبح غرفة الأخبار مكانا يختلط فيه القلق بالمهنة، ويتساوى فيه احتمال الحقيقة باحتمال المحاكمة، لا يمكن للصحفي أن يبدع وهو ينظر خلف كتفه، ولا أن يحرس الوعي وهو يخشى أن يجر إلى السجن .
إن الحقيقة ليست خطرا على الدولة بل سياج لها ، وأن الصحفي ليس عدوا بل شريكا في صنع مستقبل أكثر عدلا وشفافية، لا أحد يطلب من السلطة أن تحب النقد، فالنقد موجع بطبيعته، لكنه ضروري كالألم الذي ينبه الجسد إلى موضع الخلل، وكلما ضاقت المساحة على الكلمة انكمشت روح المجتمع وتراجعت قدرته على مواجهة مشاكله بصدق، الصحافة الحرة هي ضمانة للجميع.