يدهشني هذا التداخل والتقارب والامتداد لظواهر موغلة في القدم، تعود لآلاف السنين حسب التاريخ الموثق المدون، وربما تعود لعشرات أو مئات آلاف السنين وفقًا للتاريخ البيولوجي للإنسان منذ عصور اختفت من سجلات الذكرة، وإن كان أثرها ظل باديًا في طقوس وممارسات تحمل أبعادًا طوطمية رمزية حتى وقتنا الحالي.
يدلل المتخصصون في التاريخ والآثار والأنثربولوجي (علم الإنسان) على هذا الأمر بأمثلة عدة، وربما يكون مثال مسجد أبو الحجاج الأقصري في مدينة الأقصر المثال الأبرز والأكثر شهرة، فهو في حضن معبد وربما كان جزءًا من معبد في الماضي، ثم في العصور المسيحية تحول إلى كنيسة، وبعد دخول الإسلام إلى مصر واستقراره تحوّل المكان إلى مسجد.
يمكن أن نرى النموذج نفسه متكررًا في أكثر من مكان وأكثر من مدينة وقرية، فلا مكان في مصر يخلو من مقام لولي أو رجل صالح أو أحد الأئمة الكبار الذي تحوّل موضع دفنه إلى مزار للتعبد والتبرك والتماس السكينة بل وكأنه طاقة أمل لقضاء الحوائج.
على غرار المسجد الذي كان كنيسة ومن قبله كان معبدًا، يمكننا أن نمد الخيط على استقامته ولكن على مستوى الأشخاص وليس المباني، فكل إقليم في مصر القديمة وربما كل مدينة واحتمال أيضا كل قرية كان لها الكائن الرباني الذي يحميها ويحفظها وتتبرك به، أنا مثلًا أنتمي لقرية في مركز قطور بمحافظة الغربية اسمها "صرد"، وحين بحثت عن معنى الاسم عرفت أنه لطائر يشبه العقاب أو الصقر، وحين تعمقت في البحث داخل علم المصريات عرفت أن الدلتا ومحافظة الغربية تحديدا كانت مركزا لواحدة من الحقب القديمة في الحضارة المصرية ممثلة في العصر الصاوي، والذي ازدهر في القرن التاسع قبل الميلاد، وعرفت أيضا أن الصقر أو العقاب كان رمزا ربانيا أو إلهيا للعديد من الأماكن في تلك المنطقة، وكأنه انعكاس لفكرة آلهة الأقاليم التي ارتكزت عليها العديد من الأساطير والرؤى المؤسسة للحياة الروحية قديماً، وارتكنت لها وتماهت معها عقائد المصريين قديمًا.
لا شك أن كل بقعة في مصر تحمل جزءًا من تاريخها القديم، بل وتحمل طبقات متتالية من هذا التاريخ، ومن ثم يمتد تأثير العقائد القديمة إلى الحياة الحديثة ولكن بثوب جديد أكثر عصرية، فلا شك أن الأولياء والقديسين الذين يملأون جنبات مصر الآن، امتداد لرموز أخرى كانت قائمة في تلك الأماكن وتحل محل الوسيط الروحي المعروف في دراسات قديمة بآلهة الأقاليم أو الرموز والكائنات الربانية الحامية والحارسة لأقاليم مصر ومدنها وقراها.
هذا الامتداد للظاهرة لا يقلل من قيمة تمثلاتها الحديثة بل يعطيها عمقا وبعدا روحيًا إضافيًا يزيدها أصالة وقيمة، بوصفها دليلًا على التراكم الروحي الذي تربت عليه الشخصية المصرية وعرفت واشتهرت به وتشكلت سماتها وأبعادها وفقا له، وفي الوقت نفسه يؤكد على الفكرة التي ترسخت عبر الزمن بخصوص ارتباط المصريين بالدين على مر العصور وربما بالفطرة.
يظهر تأثير تلك الظاهرة وامتداداتها في الموالد الشعبية التي تنتشر في ربع مصر، وربما تنوع هذه الموالد بين مسيحية للعدرا والقديسين وبين إسلامية للأولياء والصالحين، هو ما يمنحها القدرة على التجدد واستقطاب الآلاف في احتفالات سنوية وربما مرتين في العام، كأنه تعبير شعبي ضمنى عن الاحتفاء بالكائنات الربانية الحارسة لمصر (المحروسة) منذ القدم وحتى اليوم، في رموز طوطمية قديما، وفي صورة القديسين والأولياء في الوقت الحالي، مع العلم أن لقصص الأسطورية والغرائبية التي تربط كل العناصر متوافرة في الحضارة القديمة وأيضا في المخيلة الشعبية الحديثة.