رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في زمنٍ تختلط فيه الحقائق بالانفعالات، ويتحوّل النقاش العام إلى ساحة صاخبة تشبه سوقًا كبيرًا لا يُسمع فيه سوى من يصرخ أكثر، يصبح من الضروري التمييز بين ما نسميه وعيًا سياسيًا وما أصبح يُعرف اليوم بـ "الضجيج السياسي". كلاهما يستخدم اللغة ذاتها - السياسة، الدولة، الحقوق، القرارات - لكن بينهما مسافة واسعة كتلك التي تفصل الفكرة العميقة عن الشائعة السريعة.

 

• ما الوعي السياسي؟
الوعي السياسي ليس كثرة الكلام، ولا متابعة الأخبار لحظة بلحظة، ولا حفظ أسماء المسؤولين والقرارات.

الوعي هو قدرة العقل على الفهم والتحليل وربط الأحداث ببعضها، وفهم سياقها التاريخي والاقتصادي والاجتماعي.

هو أن تسأل:

لماذا حدث هذا القرار؟ وما علاقته بما سبقه؟  وكيف سيؤثر على المجتمع والدولة؟ من المستفيد ومن المتضرر؟ وما الأدلة والوقائع؟

الوعي السياسي هو سلوك، رؤية، وتفكير قائم على المعرفة… لا على ردود الفعل.

 

• ما الضجيج السياسي؟

الضجيج السياسي هو الوجه الآخر من السياسة حين تغيب عنها المعرفة ويتصدّرها الانفعال.
هو حالة من الصخب الجماعي الذي ينتشر عبر:

التعليقات المتسرعة، التحليلات العاطفية، التريندات القصيرة، الشائعات التي تنفجر خلال دقائق، و"الخبر السريع" قبل أن يتم التحقق منه.

الضجيج السياسي لا يحلل… بل يثور.

لا يسأل… بل يتهم،  لا يفهم… بل يكرر ما يسمعه دون تمحيص، إنه صدى فارغ يضخّم نفسه عبر الإنترنت، لكنه لا يضيف شيئًا للعقل العام.

 

• لماذا يختلط الضجيج بالوعي؟
لأن عصر السوشيال ميديا منح الجميع مساحة للتعبير، لكن لم يمنح الجميع القدرة على التحليل.
فيبدو من يتحدث بصوت عالٍ وكأنه خبير، ويبدو الكلام السريع وكأنه كشف سياسي، ويبدو الهجوم العاطفي وكأنه موقف وطني.
وهكذا، يُخلط الانفعال بالمعرفة، والسرعة بالحكمة، والصوت العالي بالحقيقة.

 

• أثر الضجيج السياسي على المجتمع:
الضجيج السياسي ليس مجرد إزعاج، بل خطر حقيقي لأنه:

يشوّش الوعي العام، يخلق رأيًا مبنيًا على العاطفة لا المعلومات، يشتت الاهتمام عن القضايا الجوهرية، يجعل المجتمع سهل التأثر بالشائعات، ويصنع انقسامًا بين الناس على أساس كلام غير موثوق.

المجتمع الذي يغلب عليه الضجيج لا يستطيع رؤية مصالحه، ولا فرز الأولويات، ولا التمييز بين الحقيقة والدعاية.

 

كيف نبني وعيًا سياسيًا حقيقيًا؟
1-  القراءة قبل الرد: استبدال رد الفعل السريع بالبحث والتأكد.
2- فهم السياق لا الحدث فقط: القرار السياسي لا يأتي مصادفة، بل نتيجة سلسلة عوامل متشابكة.
3-  التمييز بين الخبر والرأي: فليس كل ما يُنشر حقيقة، بل غالبًا هو تفسير شخصي.
4-  متابعة المؤسسات الرسمية والتحليلات الرصينة: بدل الاعتماد على "مصادر غير مؤكدة".
5-  تقييم الأفكار لا الأشخاص: النقد يجب أن يكون موضوعيًا لا شخصيًا.
6-  إدراك الفروق بين الدولة والحكومة والنظام السياسي: فخلطها ينتج ضبابًا سياسيًا يضر الجميع.

 

• لماذا تحتاج الدول إلى مواطن واعٍ لا مُنفعِل؟
المواطن الواعي يدافع عن بلده بعقل لا بصوت فارغ ويفرّق بين الخطأ والهجوم، يطالب بحقوقه بوضوح، ويفهم ما يحدث حوله دون أن يقع في فخ الاستقطاب.
الوعي السياسي هو حصانة مجتمعية، يحمي المجتمع من الفوضى، ويجعل الناس جزءًا من بناء الدولة لا جزءًا من إرباكها.

 

ختامًا:
في النهاية، السياسة ليست ساحة صراخ، بل مساحة تفكير، والوعي ليس أن تعرف كل شيء.. بل أن تعرف كيف تفكر، أما الضجيج السياسي فهو لحظة غضب عابرة، بينما الوعي السياسي هو مشروعٌ لبناء مجتمع مستقرّ. وبين الوعي والضجيج.. تختبر الشعوب نضجها.

إن الفرق بينهما هو الفرق بين صوتٍ يعلو ويختفي… وعقلٍ يفهم ويُبنى عليه مستقبل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء