بعد أن استعرضنا في المقال السابق تنامي اهتمام التنظيمات المتطرفة باستغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي وبيّنا أبرز مجالات توظيفها، نواصل اليوم الحديث عن السبل الممكنة لمواجهة هذا التوظيف الخطير والحد من مخاطره المتصاعدة. ويمكن تلخيص الخطوات الأساسية في هذا السياق على النحو الآتي:
أولًا: بات من الضروري أن يدرك المجتمع بكل فئاته، وفي مقدمتهم العلماء والأكاديميون، أن الذكاء الاصطناعي هو أحد أبرز التحولات التكنولوجية التي غيّرت العالم بل وغيّرت طبيعة الحياة الإنسانية في شتى ميادين الحياة، وأنه انطلق بقوة لا يمكن وقفها أو الحد من امتدادها. فقد أصبح جزءًا من الحياة اليومية للمصريين، ليس في المدن فقط، بل وفي القرى الصغيرة والنجوع أيضًا. فها هم أطفال في المراحل الأولى من التعليم يستخدمون تطبيقات مثل ChatGPT وأسرٌ تعتمد على أجهزة منزلية تعمل بأنظمة الذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى دول وحكومات توظف هذه التقنيات في المجالات الدفاعية. هذا الانتشار الواسع يؤكد أن الذكاء الاصطناعي تجاوز مرحلة النشأة ليصبح واقعًا حاضرًا يتوسع بسرعة لافتة، ويصل إلى أماكن بعيدة لم يكن في مخيلةِ أحد الوصول إليها.
ومن هنا ينبغي إدراك أن التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي لا يصح أن يتم بالذهنية ذاتها التي اعتدنا بها مواجهة أي ابتكار أو منهج فكري قادم من الغرب؛ حيث ينقسم الناس عادة إلى فريقين متقابلين: فريق يقبل كل جديد قبولًا مطلقًا لمجرد أن مصدره غربي، وفريق يرفضه رفضًا قاطعًا ويعامل كل ما يأتي من الغرب بريبة وعداء. ويستنزف الطرفان جهودهم في جدلٍ يتمحور حول "الغرب" ذاته، لا حول القضية محل النقاش، فتضيع الأوقات في سجالات لا طائل منها، ويغيب جوهر المسألة التي تحتاج إلى بحث موضوعي ورؤية واعية.
ثانيًا: توجيه دراسة الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرة التنظيمات المتطرفة على توظيفه، نحو أعمال ومشاريع بحثية جادة متعددة الأبعاد، يشارك فيها خبراء من مجالات علم الاجتماع والعلوم السياسية والإعلام، إضافة إلى المتخصصين في شؤون التسليح والتنظيمات المتطرفة. تهدف هذه الأبحاث إلى تحليل أنماط الاستفادة الحالية لهذه التنظيمات من تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحديد حدود هذه الاستفادة وإمكاناتها، فضلًا عن استشراف قدرتها المستقبلية على تطوير هذا التوظيف وتعزيزه، بما يمكّن من فهم أعمق لمستوى التهديد وسبل مواجهته.
ثالثًا: توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات واتجاهات الرأي العام تجاه مختلف القضايا، مع إيلاء اهتمام خاص بإجراء إحصاءات دقيقة حول سلوكيات العنف ومستوى انتشارها بين الفئات العمرية المختلفة. ويتيح هذا التحليل العميق رصد المؤشرات المبكرة على سلوك جميع فئات المجتمع ودرجة الميل إلى العنف والتطرف، مما يمكّن من وضع معالجات فكرية وتربوية وإعلامية دقيقة قبل تفاقم الظاهرة وتحولها إلى تهديد مؤثر داخل المجتمع.
رابعًا: تجفيف منابع الاستقطاب الفكري التي تمارسها التنظيمات الإرهابية عبر تبنّي خطاب مضاد يُواجِه خطابها مباشرة على المنصّات الرقمية، ويسعى إلى توعية الشباب بمخاطر التطرف، وترسيخ القيم الأخلاقية والإنسانية في نفوسهم جنبًا إلى جنب مع القيم الروحية والإيمانية. وتبرز هنا إحدى أبرز الإشكاليات المعاصرة التي لم يُلتفت إليها بما يكفي، وهي محاولة الفصل بين القيم الإنسانية والأديان؛ وهي ثغرة تستغلّها التنظيمات المتطرفة بمهارة، فتخاطب المشاعر الدينية لدى الشباب، لا سيما أولئك القادرين على استخدام التكنولوجيا الحديثة، والذين يعيشون في بيئات تغلب عليها المادية على حساب الروحانية، فيتوقون إلى أي شعور يعيد إليهم توازنهم الروحي والإنساني خارج إطار حياتهم اليومية. وقد نجحت هذه التنظيمات بالفعل في استقطاب عدد من الشباب من دول أجنبية مختلفة عبر هذا الأسلوب.
خامسًا: وإلى جانب غرس القيم الأخلاقية وربطها بالأديان، يصبح من الضروري إدراج مادة الذكاء الاصطناعي، نظريًا وعمليًا، في المراحل الدراسية المبكرة، بحيث تُقدَّم كمقرر مستقل يدرسه الطلاب ويؤدون الاختبارات فيه، ويتعرّفون من خلاله على مفاهيم الذكاء الاصطناعي ومجالاته ولغاته وأدواته المختلفة التي تمكّنهم من إنشاء نظم خبيرة في أي مجال يرتبط بتخصصهم الدراسي. وبهذا الإطار المتكامل يتعلم الشباب العلوم الحديثة داخل منظومة قيمية وأخلاقية راسخة، تؤكد لهم أن العلم وُجد ليخدم الإنسان ويرتقي بإنسانيته، لا أن تتحوّل الإنسانية إلى مجرد أداة في خدمة العلم أو التقنية.
فترسيخ النزعة الإنسانية لدى الشباب وتعريفه أن الإنسان هو أفضل مخلوقات الله على الأرض، هو أقوى سلاح في مواجهة التنظيمات المتطرفة.