رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

منطقة الراحة هي حالة نفسية وعادة سلوكية يشعر فيها الشخص بالأمان والسيطرة والراحة، حيث يتجنب المخاطر والتحديات، ما يقلل من القلق لكنه يحد من النمو الشخصي، ويكبت القدرة على التطور وتجربة الجديد، والخروج من هذه المنطقة مُجهد، إلا أنه يؤدي لتوسيع آفاق الشخصية والرؤية الأوضح،  ويفتح لها آفاق جديدة تساعد على التغير للأحسن.

وهناك بعض الأسباب التي قد تحول دون مغادرة البعض مناطق الراحة:

الأمان والثبات: تورث مناطق الراحة شعورًا بالأمان والاستقرار، وقد يسبب الخروج منها شعورًا بعدم اليقين وعدم الأمان.

التقليد والرتابة: غالبًا ما يكون البشر عرضة للروتين والرتابة، ومغادرة منطقة الراحة قد تعني مواجهة تحديات وتجارب جديدة.

الخوف من المجهول: قد يشعر الإنسان بالقلق حيال المستقبل وما قد يكون في انتظاره خارج منطقة الراحة، وهذا الخوف يمكن أن يكون عامل صعوبة.

الرغبة في تجنب التحديات: يفضل البعض البقاء في مناطق الراحة لتجنب التحديات والضغوط الناتجة عن مواجهة العالم الخارجي.

التمسك بالرتبة والهيكل: مناطق الراحة غالبًا ما تكون ذات هيكل وتنظيم، والبعض قد يجد الأمان والسهولة في التمسك بهذا الهيكل.

ومن صور الحفاظ على منطقة الراحة، الاستمرار في استخدام الطرق اليدوية أو البرامج القديمة لأن تعلم الأدوات الجديدة يتطلب جهداً ذهنياً وخروجاً من المعتاد. عدم التعبير عن الرأي أو مناقشة المشكلات الحقيقية في العلاقات (الزوجية أو الأسرية أو الصداقة) للحفاظ على "السلام" الظاهري وتجنب المواجهة المؤقتة. الرضا بالمعرفة الحالية وعدم قراءة الكتب الجديدة، أو حضور الدورات التدريبية، أو تعلم لغة جديدة، بحجة "ليس لدي وقت" أو "أنا مرتاح هكذا". عدم المشاركة في النقاشات أو طرح الأسئلة خوفاً من الخطأ أو الحكم من قبل الآخرين.

هذه المقدمة لكي نفهم لماذا يرفض البعض بذل أى مجهود في الاستمرار في تعلم الدين وإعادة الفهم بصورة شخصية، والاصرار على اتباع أفكار وشخصيات بعينها على اعتقاد أنها هى من تملك ناصية الدين، ذلك لأن هذا الاتباع يبقيهم في منطقة الراحة الدينية، حيث يمنحهم الشعور بالتدين الآمن الذي تعودوا عليه، ويقاومون بشدة الخروج من هذه المنطقة الآمنة، لأنهم يعلمون أن الخروج منها يعني بذل المجهود في القراءة والتفكير ومواجهة الأغلبية، وهذا ما يخشونه بشدة، وعلى الرغم من الوضوح الكامل لآيات القرآن التي تدعو للتعلم والتفكر والتعقل الدائم، نجدهم يخاصمون من يدعوهم لإعادة التعلم والفهم ويعتبرونه عدواً، ويرفضون بإصرار قراءة كتاب أو سماع محاضرة مختلفة عما تعودوا عليها، إنهم يرابطون في منطقة الراحة العقلية لديهم ويحاربون كل من يدعوهم للخروج منها....

لكن لماذا الدعوة لهذا الخروج؟ لأنها دعوة القرآن الكريم لكل مسلم،يقول تعالى: }..وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ‎﴿١١٤﴾{‏ طه. يطلب رب العالمين من رسوله الإستزاده من العلم، بالرغم من أنه يحصل على أعلى درجات التعليم، فلو كان يحق لأي مسلم أن يقول أنا أعرف ما يكفي ولا حاجة لي بالإستزاده، لكان الأحق بهذه الكلمات رسول الله عليه الصلاة والسلام. لهذا فإن استمرارية طلب العلم والبذل في سبيله فريضة دينية لا تتوقف ولا يجب أن تتوقف، ولا يجب أن يمنعنا عنها ما نشعر به من راحة بمعارفنا المعتادة، ولا يجب أن يمنعنا عنها المجهود المطلوب، لأنه سبحانه سيعين كل طالب علم يجاهد من أجل استمراية علمه بالله تعالى وبدينه، يقول تعالى: }وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ‎﴿٦٩﴾{ العنكبوت.

وقد جعل ربنا سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء هو المثال الأعلى للصالحين، أَسلَمَ وجهه لله وحده، رفض اتباع آبائه وخرج من منطقة الراحة العقلية إلى منطقة المجهود الذهني والتساؤل والبحث عن إجابات، ولم يترك التساؤل والبحث عن المعرفة حتى نهاية عمره، فجعله الله تعالى للناس إماما }.. إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا...{البقرة. 

فهو المثل وهو القدوة لرسول الله ولنا، }ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‎﴿١٢٣﴾{‏ النحل.

كانت بدايته رفض الأكاذيب التي ألصقها قومه بالدين، فهم لهم دين وهم يعبدون، لكنه دينٌ باطلٌ }وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ‎﴿٢٦﴾{‏ الزخرف.

لماذا حُرف الدين وقد كان الجميع موحدون لله تعالى من بعد سيدنا آدم وسيدنا نوح، لأنه مع مرور الزمن يُحَملُ الدين بعادات وتقاليد وثقافات الشعوب المتتالية، يدخلها الناس في الدين، فتصبح ديناً، فنجد العنصرية تصبح ديناً، ونجد أكل أموال الناس بالباطل يصبح ديناً، ونجد ظلم الضعيف يصبح ديناً... وهكذا، ونجد أصحاب هذا الدين الباطل الأكثر قوة وسطوة، وأصحاب الدين الحق يكافحون لإظهاره.

لهذا يأمرنا ربنا باستمرارية التعلم لكى نُخرج منه ما علق به من عادات وتقاليد وثقافات ما أنزل الله بها من سلطان، وحفظ لنا القرآن الكريم لكى يكون مرجعنا الذي نعرف به الدين الحق من الدين الباطل.

يقول تعالى: }وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ‎﴿١٣٠﴾‏ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‎﴿١٣١﴾{  البقرة.

ملة سيدنا ابراهيم هى رفض الموروث والبحث والتساؤل والوصول للإيمان الشخصي، فمن يترك هذا الطريق فقد امتهن نفسه وأهانها وأهلكها، فالدين الحق اسلام الوجه لله وحده دون اتباعٍ لأحدٍ سواه، وهذا يعني الخروج من منطقة الراحة وخوض تجربة ذهنية قد تكون مرهقة تبدأ من رفض السائد والمتعارف عليه، ثم البحث عن الحقيقة، وتحمل مسؤولية الرفض والبحث، ولا تنتهى أبداً هذه الرحلة ما دمت على قيد الحياة، هذا هو المسلم الذي أسلم وجهه لله وحده وحقق الهدف من وجوده.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء