رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

محمود سامي البارودي.. رب المعارك والقلم وعميد نهضة الشعر العربي

محمود سامي البارودي..
محمود سامي البارودي.. رب المعارك والقلم وعميد نهضة الشعر الع

ظل الشعر العربي قرونًا طويلة أسير الركاكة والصنعة اللفظية، فاقدًا أصالته وتألقه، إلى أن جاءت نهضة محمد علي لتمنح القصيدة قدرًا من الحيوية، لكنها لم تكن كافية لإعادتها إلى مجدها القديم.

ومع نهاية القرن التاسع عشر، كان القدر يهيئ فارسًا استثنائيًا يبعث الروح في الشعر العربي من جديد.. محمود سامي البارودي، الموهوب، المثقف، والسياسي الذي صنع مدرسة كاملة أعادت للشعر العربي مكانته.

المولد والنشأة

وُلد البارودي في القاهرة في 6 أكتوبر 1839 لأسرة ذات جذور جركسية ومكانة مرموقة نشأ في بيت يفيض بالثراء والسلطان، وبدأ تعليمه في المنزل؛ حيث حفظ القرآن وتعلم العربية والفقه والتاريخ، ثم التحق بالمدرسة الحربية وهو في الثانية عشرة، لتظهر مبكرًا موهبته في الشعر وتعلقه بالتراث العربي.

بعد تخرجه، سافر إلى إستانبول حيث عمل في وزارة الخارجية، وأتقن التركية والفارسية وقرأ آدابهما، ونظم الشعر بهما، قبل أن يعود إلى مصر مع حاشية الخديوي إسماعيل.

رحلة الجندية

شارك البارودي في حملات الجيش المصري، أبرزها حملة "كريت" سنة 1865، حيث لمع اسمه كشاعر محارب نظم قصائد خالدة في الحنين إلى الوطن ووصف ميادين القتال. ثم عاد ليعمل ياورًا في المعية الخديوية، قبل أن يلتحق مرة أخرى بالجيش.

كما شارك في حرب الدولة العثمانية ضد روسيا عام 1878، وبرزت شجاعته فنال رتبة اللواء وأوسمة عدة.

العمل السياسي

دخل البارودي معترك السياسة مديرًا للشرقية ثم محافظًا للقاهرة. وفي ظل التدخل الأجنبي واشتداد الأزمة السياسية، أصبحت قصائده صوتًا قويًا للحرية، تدعو إلى اليقظة وإصلاح أحوال البلاد.

تولى وزارة المعارف ثم الأوقاف، وأعاد تنظيمها، وجمع المخطوطات، وأسهم في إطلاق عهد جديد للصحافة بتعيين محمد عبده محررًا للوقائع المصرية،  ثم تولى وزارة الحربية، وشرع في إصلاح الجيش ورفع رواتب جنوده.

وزارة الثورة

شكل البارودي وزارة 1882، التي ضمت أحمد عرابي ومحمود فهمي، فعُرفت بـ"وزارة الثورة" وأعدت الوزارة دستورًا طموحًا يحقق الاستقلال والكرامة، لكن الخلاف مع الخديوي، وتدخل إنجلترا وفرنسا، أدى إلى اشتعال الأزمة، ثم وقع الاحتلال البريطاني لمصر، وألقي القبض على قادة الثورة، حكم على البارودي بالإعدام، ثم خفف الحكم إلى النفي مدى الحياة في جزيرة سرنديب.

سنوات المنفى

قضى البارودي 17 عامًا في المنفى، عاش فيها مرارة الغربة وقسوة المرض وفقدان الأحبة. لكنه لم يتوقف عن التعلم والإبداع؛ فأتقن الإنجليزية، ودرّس العربية لأهل الجزيرة، وكتب أعذب قصائده التي عبر فيها عن حزنه، وذكريات الوطن، وندمه على ما آلت إليه الثورة، ثم عاد إلى مصر عام 1899 بعد مطالبات واسعة بالعفو عنه.

رائد مدرسة الإحياء

يعد محمود سامي البارودي الأب الحقيقي للنهضة الشعرية الحديثة؛ فقد أعاد للقصيدة العربية رونقها القديم، محررًا إياها من زخارف البديع، ومُعيدًا وصلها بالشعر العباسي في لغته وقوة صوره وجزالة تراكيبه.

جمع بين تقاليد القدماء وروح العصر، فنظم في كل الأغراض: الغزل والمديح والفخر والهجاء والرثاء، وترك ديوانًا ضخمًا يزيد على خمسة آلاف بيت، إلى جانب كتبه: "قيد الأوابد" و"مختارات البارودي".

الوفاة

عاد البارودي إلى القاهرة ابتعدًا عن السياسة، وفتح بيته للشعراء الشباب الذين أصبحوا رواد مدرسة الإحياء: شوقي، حافظ، مطران، وإسماعيل صبري. ولم تطل حياته بعد عودته، إذ توفي في 12 ديسمبر 1904.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء