هل يجوز تفويض الأهل لإجراء عملية جراحية للمريض فاقد الوعي؟ الإفتاء تجيب
هل يجوز تفويض الأهل لإجراء عملية جراحية للمريض فاقد الوعي؟ سؤال ورد إلى دار الإفتاء المصرية وأجابت عنه في فتوى على صفحتها الرسمية جاء فيها:"حثَّ الشرع الشريف على التداوي من الأمراض، وأمر باتِّخاذ كافة السبل والإجراءات المؤدية إلى مداواتها والعلاج منها؛ أخذًا بالأسباب"، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا أَنزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنزَلَ لَهُ شِفَاءً» أخرجه الإمام البخاري."
وإجراء العمليات الجراحية من جملة الوسائل المشروعة في التداوي؛ إذ "الوسائلُ لها أحكام المقاصد"، كما في "قواعد الأحكام" للإمام العز بن عبد السلام، وقد يحتاج بعض المرضى إلى التدخل الجراحي لحفظ حياتهم أو دفع ضرر عنهم، أو لتحقيق مصلحة صحيَّةٍ معتبرة.
رضا المريض شرط إجراء العمليات الجراحية
والأصلُ أن العمليات الجراحية ونحوها من التصرفات الطبية لا يجوز إجراؤها إلا برضا المريض وإذنه إذا كان كامل الأهلية -بالغًا عاقلًا-، وقادرًا على إبداء الإذن، فلا يَحلُّ لأحدٍ أن يجبره على العلاج، ولا أن يتصرف في بدنه بغير رضاه، فإن أُجبر أو تُصرِّف فيه بغير إذنه، عُدَّ ذلك اعتداءً محرَّمًا داخلًا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
ويؤيِّد هذا الأصلَ ما تقرر شرعًا من أنه لا يجوز لأحدٍ أن يتصرَّف في مِلك الغير أو في حقه بلا إذن أو ولاية معتبرين -كما في "الأشباه والنظائر" للإمام ابن نجيم، و"درر الحكام في شرح مجلة الأحكام" للعلامة علي حيدر، ولا شك أن التصرف في أعضاء الإنسان وأجزاء بدنه من حقوقه الخاصة التي لا يجوز لأحد غيرهِ أن يتصرف فيها إلا بإذنه ورضاه، وذلك في حدود ما أذن به الشرع الحنيف من وجوه التداوي ونحوها.
انتقال الإذن الطبي
أضافت دار الإفتاء؛ في فتواها أنه إذا كان المريض فاقدًا للوعي أو غير قادر على التعبير عن إرادته، واستدعى الأمر تدخُّلًا جراحيًّا ولم يكن ثمة متسع من الوقت للانتظار لأخذ إذنه، أو كان غير مؤهَّل لإعطاء الإذن ابتداءً، لصِغَرٍ أو لمرضٍ كالجنون -فإن الحقَّ في الإذن الطبي ينتقل حينئذٍ إلى من يلي أمره من الأولياء كالأب ونحوه، وذلك مراعاةً لمصلحته، وحفظًا لنفسه.
ويستأنس في ذلك بما ورد عن السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لَدَدنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَينَا: «لَا تَلُدُّونِي»، قَالَ: فَقُلنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ بِالدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «أَلَم أَنهَكُم أَن تَلُدُّونِي»، قَالَ: قُلنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَبقَى مِنكُم أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ -وَأَنَا أَنظُرُ- إِلَّا العَبَّاسَ، فَإِنَّهُ لَم يَشهَدكُم» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم. ومعنى «لَدَدنَا»: "أي: جعلنا في جانب فمه دواءً بغير اختياره"، كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري".
الولاية شرط معتبر
ومؤدَّى ذلك أنَّه إذا كان المريض غير أهلٍ للإذن -كالصغير ومن في حكمه-، فإنه لا يحل للطبيب الإقدام على الإجراء الطبي إلا بعد إذن وليه، وأن الولاية في الإذن الطبي شرطٌ معتبر، فلا يعتد بإذن غير الولي، بل يترتب على التصرف حينئذٍ الضمان والكفارة عند التلف؛ لأن التصرف في بدن المريض من غير إذنٍ أو ولايةٍ شرعيةٍ يُعد تعديًا محرَّمًا.
غير أن هذا الحكم يَستثنى منه ما إذا وُجدت ضرورةٌ يُخشى معها على حياة المريض أو سلامة بدنه، فيجوز للطبيب المباشرة حينئذٍ ولو بغير إذنٍ صريحٍ من المريض أو وليه حفظًا لنفسه ودفعًا للضرر عنه: عملًا بالقاعدة الشرعية التي تقرر أن "الضرورات تبيح المحظورات" -كما في "الأشباه والنظائر" للإمام زين الدين بن نُجَيم، على أن يكون ذلك في حدود ما تُجيزه القوانين واللوائح الطبية المنظمة لمثل هذه الحالات، والتي تُعد إذنًا عامًّا من وليِّ الأمر، منعًا للتجاوز وضبطًا للاجتهاد الطبي.
العبرة بالمصلحة الطبية
وعلى ذلك يجوز للطبيب شرعًا أن يجري عمليةً جراحيةً بناءً على توكيل وموافقة من أهل المريض غير الواعي، على أن يكون ذلك مبنيًا على تحقق المصلحة الطبية المقرَّرة من أهل الخبرة الثقات، وعدم اشتمالها على ما ينافي سلامة المريض أو يفضي إلى ضررٍ محضٍ، وبشرط أن تكون العملية من الحالات العاجلة التي لا تحتمل التأخير إلى حين استعادة المريض وعيه وأهليته للإذن، وذلك وفقًا للأحكام والإجراءات والضمانات التي تنص عليها اللوائح والقوانين الطبية المنظمة لهذا الشأن.

