رئيس الحكومة اللبنانية: الدولة وحدها تقرر الحرب والسلام.. والإصلاح هدفنا
أكد رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، في تصريحات ومقال موسع نشرته صحيفة "الفاينانشال تايمز"، أن حكومته الانتقالية عازمة بكل قوة على إطلاق وتنفيذ عملية شاملة وصفها بـ "إعادة الضبط الوطني"، التي تقوم هذه العملية، بحسب سلام، على ركيزتين متلازمتين لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى: استعادة السيادة الكاملة للدولة اللبنانية وإجراء إصلاحات اقتصادية ومؤسسية جذرية طال انتظارها.
احتكار السلاح بيد الدولة اللبنانية
أوضح سلام في مقاله المطول، أن السيادة تمثل الركيزة الأولى والأساسية لبناء دولة قادرة ومستقرة، وشدد على مبدأ دستوري وقانوني لا يقبل الجدل، وهو أنه لا يجوز لأي جهة أو ميليشيا أو طرف غير الدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية والأمنية الشرعية امتلاك السلاح داخل أراضيها، هذا الموقف الحاسم يؤكد على أن الدولة وحدها، من خلال مؤسساتها الدستورية، هي المخولة حصراً باتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم، رافضاً بذلك أي ازدواجية في السلطة أو وجود "دويلات" ضمن الدولة.
وفي إطار ترجمة هذا المبدأ إلى خطوات عملية وملموسة على الأرض، أشار رئيس الحكومة إلى أن مجلس الوزراء، وفي خطوة تاريخية ومفصلية بتاريخ 5 أغسطس الماضي، كلّف قيادة الجيش اللبناني بإعداد خطة أمنية وعسكرية شاملة تهدف إلى ضمان احتكار الدولة للسلاح بشكل حصري في كامل الأراضي اللبنانية، من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها.

وبعد شهر واحد من التكليف، وتحديداً في أوائل سبتمبر، صادقت الحكومة بالإجماع على الخطة التي قدمها الجيش. وتنص هذه الخطة الطموحة في مرحلتها الأولى على تحديد مهلة زمنية لا تتجاوز ثلاثة أشهر لفرض السيطرة الحصرية والكاملة على السلاح في المنطقة الحساسة جنوب نهر الليطاني، بما يتوافق مع القرارات الدولية ذات الصلة. كما تشمل الخطة إجراءات صارمة للحد من انتشار السلاح غير الشرعي في بقية المناطق اللبنانية الأخرى، مما يعكس جدية الحكومة في بسط سلطة القانون والنظام في كل شبر من البلاد.
ولم تقتصر الإجراءات الأمنية على إعداد الخطط المستقبلية فحسب، بل اتخذت الحكومة خطوات فورية وعاجلة. فقد أشار سلام إلى أن السلطات اللبنانية، وبالتعاون والتنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية، عززت الإجراءات الأمنية والرقابية في مطار رفيق الحريري الدولي، المنفذ الجوي الرئيسي للبلاد، وعلى جميع المعابر الحدودية الشرعية لمنع أي خروقات أمنية أو عمليات تهريب. كما أسفرت الحملة الأمنية المشددة عن تدمير مئات المستودعات السرية وغير الشرعية للأسلحة والذخائر، وتم تفكيك العديد من شبكات الجريمة المنظمة المتورطة في تهريب الأسلحة والمخدرات والمواد الممنوعة الأخرى التي كانت تقوض الأمن القومي اللبناني.
بناء الاقتصاد والمؤسسات وتعزيز الشفافية
أما الركيزة الثانية، أي الإصلاح الشامل، فقد أكد سلام أنها أساسية وحيوية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني المنهار وتعزيز مؤسسات الدولة التي أصابها الوهن والشلل على مدى سنوات طويلة من الأزمات المتلاحقة. هذه الإصلاحات تهدف إلى استعادة ثقة المواطنين والمجتمع الدولي في قدرة الدولة على النهوض مجدداً.
وفي سياق هذه الجهود الإصلاحية الجادة، كشف رئيس الحكومة أن حكومته أقرت قانوناً وصفه بـ "التاريخي" والمفصلي، وهو قانون رفع السرية المصرفية. يمثل هذا القانون خطوة عملاقة نحو مكافحة الفساد المستشري واستعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة المسؤولين عن الانهيار المالي غير المسبوق الذي شهده لبنان. إلى جانب هذا القانون، تم إقرار قانون آخر يضع إطاراً حديثاً وفعالاً لإدارة الأزمات المصرفية المستقبلية وضمان حماية أموال المودعين قدر الإمكان.
الالتزامات الدولية والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة
وفي ما يتعلق بالأوضاع الأمنية الإقليمية والالتزامات الدولية، أكد نواف سلام أن لبنان مستمر في الوفاء بكافة تعهداته والتزاماته وفقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وخاصة البيان المتعلق بوقف الأعمال العدائية الذي تم التوصل إليه مع إسرائيل بوساطة دولية في نوفمبر 2024.
ومع ذلك، شدد رئيس الحكومة اللبنانية على أن الجانب الإسرائيلي يواصل انتهاك هذه الالتزامات والسيادة اللبنانية بشكل مستمر ومتكرر. فإسرائيل لا تزال تحتجز مواطنين لبنانيين في سجونها، وتواصل احتلال ما لا يقل عن 5 نقاط حدودية تعتبر أراضي لبنانية محتلة. وأشار سلام إلى أن هذه الممارسات الإسرائيلية الاستفزازية لا تساهم إلا في تغذية حالة عدم الاستقرار القائمة وتبقي خطر تجدد الصراع العسكري قائماً في أي لحظة، مما يقوض بشكل مباشر وخطير جميع الجهود الحثيثة التي تبذلها الدولة اللبنانية لاستعادة سلطتها الكاملة وبسط سيادتها على كامل أراضيها.