رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

استكمالاً لتحليلنا في الورقة البحثية التي أرسلتها للنشر بعنوان 'The Walls Remember Their Faces': Sonic Memory, Affective Resistance, and Revolutionary Temporality in Egypt's Tahrir Square وبعد أن تحدثنا في المقال السادس عن اليونان ننتقل من مسارح اليونان التراجيدية، ونعبر إلى العالم الإسلامي، حيث يمتزج الصوت الروحي بالحياة اليومية في نسيج فريد.

تتابع سلسلتنا بناءً على الإطار النظري لورقتنا ، لاستكشاف كيف شكّل الأذان والإنشاد والتلاوة 'بنية تحتية صوتية' إسلامية، حوّلت المدن إلى كائنات حية تتنفس بالإيمان. كيف يصبح الصوت، هنا، أداة لصياغة الهوية، وترسيم الزمن، وخلق مجتمع صوتي (Sonic Community) يتجاوز الحدود الجغرافية والعرقية؟


لعل الأذان يمثل أحد أبرز مظاهر هذه البنية الصوتية الإسلامية، فالأذان لم يكن مجرد نداء للصلاة، بل كان نظاماً دقيقاً لهندسة الزمان والمكان في الحضارة الإسلامية، خمس مرات في اليوم، كان صوت المؤذن يقطع رتابة الحياة اليومية ليذكر بالزمن المقدس، محوّلاً الوقت الفلكي المجرد إلى وقت عبادي معنوي.

وكانت هذه الأصوات المتعالقة من المآذن المختلفة تشكل نسيجاً صوتياً مميزاً للمدينة الإسلامية، حيث يتحول الفضاء العام إلى فضاء طقسي. والأهم من ذلك، أن الأذان كان يخلق ما يمكن تسميته "الجماعة المتخيلة" للمسلمين، فالمسلم في الأندلس كان يعلم أن أخاه في العراق والشام والحجاز يسمع نفس النداء ويشاركه نفس اللحظة الروحية، مما يعمق أواصر الانتماء لأمة تتجاوز الحدود الجغرافية.

أما في مجال تنظيم الوجدان الجمعي، فقد مثلت حلقات الذكر والإنشاد الديني آليات بالغة التعقيد  لـ "حوكمة القلب الجمعي". ففي الزوايا والتكايا، كانت حلقات الذكر تمثل مختبرات وجدانية حقيقية، حيث تتحول المجموعة من أفراد متفرقين إلى كيان وجداني موحد، من خلال التكرار الإيقاعي للأذكار والأناشيد، كانت هذه الحلقات تخلق حالة من النشوة (Ecstasy) الجماعية أو السكينة العميقة، وهي حالات تمثل ذروة التجربة الصوفية. وكان لهذه الممارسات دور بالغ في "تنظيم الوجدان" الديني، حيث كانت توفر منفذاً عاطفياً منظماً ومقنناً، يسمح بالتعبير عن المشاعر الدينية بعمق، ولكن في إطار جماعي منضبط. 

هذه الممارسات لم تكن مفروضة من سلطة دينية عليا، بل كانت تمثل شكلاً من أشكال "الحوكمة الوجدانية" الطوعية، حيث يختار الأفراد بحرية الانضمام إلى هذه الجماعات الوجدانية.


وفي المستوى الشعبي، لعبت مقاهي السمر وحلقات الحكايات دوراً محورياً في تشكيل الذاكرة والهوية الجمعية، ففي العصر المملوكي والعثماني، كانت المقاهي تمثل فضاءات شعبية لتلاوة السير الشعبية مثل سيرة عنترة بن شداد وأبي زيد الهلالي، وكان لهذه الحلقات دور كبير في تشكيل الوعي التاريخي والهوية الثقافية للعامة، بعيداً عن الخطاب الرسمي للمؤسسة الدينية والدولة.

ومن خلال الغناء الجماعي واسترجاع الملاحم التاريخية، كانت هذه الحلقات تخلق ذاكرة جمعية بديلة، وتعزز قيماً اجتماعية مثل الشجاعة والكرم والتضحية. وكانت تمثل شكلاً من أشكال "الحوكمة الوجدانية" الشعبية، حيث ينتج العامة بأنفسهم الخطاب الثقافي الذي يشكل وجدانهم.

وعند المقارنة مع تجربة ميدان التحرير، نجد تشابهاً لافتاً في الآلية رغم اختلاف المضامين، فإذا كان الأذان ينظم الزمن اليومي للفرد المسلم، محولاً إياه من وقت دنيوي إلى وقت مقدس، فإن هتافات التحرير نظمت "زمن الثورة"، محولة إياه من زمن الاستسلام إلى زمن التحرر.

 وإذا كانت حلقات الذكر تخلق "الجماعة الوجدانية" عبر التكرار والإيقاع، فإن الهتافات في الميدان خلقت "الجماعة الثورية" عبر نفس الآلية، وإذا كانت مقاهي السمر تشكل ذاكرة جمعية بديلة، فإن أغاني الثورة في التحرير شكلت ذاكرة ثورية بديلة، هذا التشابه يؤكد أن الصوت يبقى أحد أقوى الأدوات التي تمتلكها المجتمعات البشرية لتنظيم وجدانها، وصياغة هويتها، ومقاومة محاولات الهيمنة عليها من مآذن الإسلام إلى ميدان التحرير، تبقى الأصوات المجتمعة أقوى تعبير عن إرادة الحياة والتحرر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء