تمتعت الدولة المصرية بروحانيتها التي اكتسبتها على مدار تاريخها القديم والحديث، وصنعت "إسلامها الشعبي" الذي مزج بين تراثها الديني والثقافي، وأبدعت في إنتاجها الفكري الذي ميزها دون غيرها بحالة وجدانية، ومثّلت بيئة فاعلة أثرت بها في أركان العالم العربي والإسلامي.
فمنذ عرفت مصر "الطرق الصوفية" في القرن الثالث الهجري، باتت جسرًا ثقافيًا وروحيًا بين المشرق والمغرب الإسلامي، ومن ثم ولد "الإسلام المصري"، أو "التدين الشعبي" المبني على قاعدة المحبة والتسامح والوسطية، والذي جمع بين الإيمان العميق والانفتاح الإنساني. وتنوعت مصادره بين النقل والعقل، دون أن ينزلق إلى التطرف والتكفير أو الصراع السياسي.
وقد حملت الطرق الصوفية على عاتقها تاريخيًا، برفقة الأزهر الشريف، الحفاظ على هذا النموذج الوسطي المعتدل، وفق "البيعة الروحية" المعنية بغاية تزكية النفس والتقرب إلى الله، والسير على الطريق بتوجيه ورعاية الشيخ المربي، دون أن تنزع من المريد حريته أو وطنيته، بل وساهمت تاريخيًا في حفظ النسيج الوطني من التمزق، وأنتجت أجيالًا من العلماء والمصلحين الذين لم يتخذوا الدين مطية لمآربهم السياسية.
فلم يفرق "الإسلام المصري" يومًا بين المسلم والمسيحي واليهودي أو الملحد، الذي يقطن وادي النيل في إطار السياق الاجتماعي والسياسي والإنساني، ولم يعرف للتعصب الديني طريقًا، ولم يسقط في بوتقة التشنج الطائفي والقبلي، بل بات الكل أسيرًا في هوى "الروح المصرية" التي شملت الجميع تحت سقف المحبة والود والعرفان.
وقد ساهمت "البيعة الروحية" في ترسيخ نموذج التدين الشعبي المصري، ورغم أن الدولة المصرية ظلت تحت الحكم الفاطمي لما يقارب 200 عامًا، فإنها لم تنزلق في فخ "التشيع"، ولم تتمكن السلطة السياسية من انتزاع مذهبها السني، ولم تحيد فيه كذلك عن محبة آل البيت وتقديرهم.
فتولد في إطار الحركة الصوفية المصرية إنتاجًا لثروة معرفية ضخمة، دمجت بين الفقه والزهد والروحانيات والتراجم التي صاغها مفكرون مصريون، ابتداءً من مؤلفات ابن عربي، والجنيد البغدادي، وابن سبعين، وتناولت الفقه الصوفي، والذكر، والمناقب، والكرامات، وبرزت نماذج صوفية أمثال الشيخ أحمد الدردير والشيخ حسن العطار في مطلع القرن التاسع عشر، فضلًا عن الشعر الصوفي كأشعار الحلاج وابن الفارض، وكذلك الإنشاد الصوفي والموال الذي انطلق من الساحات الشعبية والموالد في القرى والنجوع، خصوصًا في صعيد مصر، ويُعتبر من أكثر الأنماط عمقًا وتأثيرًا لما يحمله من أبعاد روحانية وجمالية جمعت بين الكلمة والمقام والصوت البشري في حالة قادرة على بثّ السكينة والتجلي في نفوس المستمعين.
وبرزت الحركة الغنائية والفنية المتشبعة بالتوجه الصوفي في أوائل القرن العشرين على يد محمد عبد الرحيم المسلوب، ودرويش الحريري، ويوسف المنيلاوي، ومحمود صبح، وأبو العلا محمد، وزكريا أحمد وسيد درويش، والشيخ علي محمود، فضلًا عن رواد الإنشاد الكلاسيكي أمثال طه الفشني، وسيد النقشبندي، ونصر الدين طوبار، ومحمد عمران، والشيخ محمد الفيومي، والشيخ محمد الهلباوي، والشيخ محمد الطوخي، ومنشد البردة عبد العظيم العطواني، وعبد الرحيم دويدار، وكذلك أمين الدشناوي، وأحمد برين، وياسين التهامي، وأحمد التوني، وعليوة ثابت، ومحمد الكحلاوي، وغيرهم.
لكن في مقابل ذلك، ومع بداية القرن العشرين، انحرف مسار "التدين المصري" أو "التدين الشعبي"، وسقط في غياهب صراعات التوظيف الأيديولوجي، وتعرض النموذج الوسطي لهزات عميقة مع صعود تيارات "الإسلام السياسي"، وفي مقدمتهم جماعة الإخوان (عام 1928)، التي مزجت في مرجعيتها الفكرية بين السياق الوهابي والتوجه الحركي، وأعادت هندسة العلاقة بين المسلم وعقيدته وفق رابطة "البيعة التنظيمية"، التي يغلقها الانقياد والولاء لـ"الأمير" أو لـ"المرشد"، وجعلت "الدين" مجرد أداة تعبئة وتجنيد، وتعاملت مع الوطن كـ"دار دعوة"، وأدخلت المجتمع في دوائر مغلقة من الولاءات المتنازعة.
وعلى مدار ما يقارب المائة عام، اتخذ "الإسلام السياسي" طريقه في الهيمنة على المجال الديني، محاولًا احتكاره وإعادة صياغته في اتجاه أيديولوجي، وذلك من خلال بناء مؤسسات دعوية وتجارية وإعلامية، لخلق مجتمع بديل ودولة موزاية قائمة على مفهوم "الإسلام التنظيمي" بديلًا عن "الولاء الوطني"، وارتأت الجماعة في مفردات "الحاكمية" و"الجاهلية" مرتكزًا لتمزيق وحدة الدولة وهدم مؤسساتها وإسقاط أنظمتها المتعاقبة، ومن ثم محاولة إبادة صياغة "الإسلام المصري".
فظهر لدينا إسلام حسن البنا، وسيد قطب، وزينب الغزالي، وشكري مصطفى، وعبد السلام فرج، وأيمن الظواهري، وهشام عشماوي، ورفاعي طه، وحلمي هاشم، وغيرهم ممن صاغوا أدبيات التكفير والعنف، وتشبعوا بمفاهيم "السردية الدموية"، واعتبروا الدين مشروعًا سياسيًا، وشرعنوا قتل المخالفين في رؤيتهم، وأخرجوا الدين عن وسطيته واعتداله وجوهر مقاصده.
وتحول الإسلام إلى جماعات أصولية وتنظيمات راديكالية، أمثال التكفير والهجرة، والشوقيون، والناجون من النار، والقطبيون، والجماعة الإسلامية، وتنظيمات الجهاد، ومجموعة الفنية العسكرية، وتيارات السلفية التقليدية والحركية والجهادية، التي مزقت وحدة الدولة، وشوّهت صورة الإسلام، وأخرجت المسلمين من ملتهم، واحتكرت مفهوم "الإيمان المطلق"، زاعمة في منطقها الانحرافي الاصطفاء والاختيار الإلهي.
رحلة التحوّل من "البيعة الروحية" إلى "البيعة التنظيمية" أحدثت شرخًا في هوية "التدين المصري"، وجعلته أداة للصراع السياسي والفكري، بدلًا من كونه جسرًا للتعايش بين أطياف المجتمع ونسيجه الداخلي. فلم يكن "الإسلام المصري" يومًا بطبيعته يعرف التناقض بين الإيمان والعقل، ولا بين الدين والوطن، لكنه تدين يحيا في فطرة المصريين، ويتجلى في أضرحة الأولياء والصالحين، ويعبّر عن نفسه في موسيقى سيد درويش، وألحان عمار الشريعي، وابتهالات نصر الدين طوبار، وتواشيح النقشبندي.
ربما أدركت "الجمهورية الجديدة" مقدار المسافة الرابطة بين حماية "الأمن القومي" و"تحصين الوعي الديني"، وأن المعركة ليست ضد الدين، بل ضد "تسييس الدين"، وضد "الولاء التنظيمي"، وأن "الإسلام المصري" القائم على "البيعة الروحية" يمثل خطًا للدفاع ضد التطرف والتمزق الداخلي. ومن ثم سعت على مدار العشرية الأخيرة إلى محاولة صياغة مظلة وطنية لإعادة "تحرير المجال الديني" من هيمنة التنظيمات الأصولية المتطرفة بعد سنوات طوال، تبدلت فيها المعايير واختلط فيها الديني بالإنساني، والمقدس بالبشري، كما لا يمكن تجاهل محاولاتها في إعادة "التراث المصري" إلى جوهره ومكانته واعتباره، سواء بما تقدمه من برامج لاكتشاف المواهب الفنية والغنائية، أو رواد "الابتهالات والإنشاد الصوفي"، أو التريض في "روضة التلاوة" التي تميزت بها الحالة المصرية.
استعادة مفهوم "البيعة الروحية" لا تعني العودة إلى الماضي، بل استنهاض لطاقة "الدين" كقوة بناء ووعي، مقابل تفكيك فكرة "البيعة التنظيمية" التي حوّلت الإيمان الفطري إلى انتماء سياسي. وفي النهاية، مصر لا تحتاج إلى "جماعة دينية" لتقودها، بل إلى "إيمان وطني" يحميها من الانقسام والتفكك، وإلى "إسلامها المصري" العميق الذي ظل قرونًا مدرسة في المحبة والاعتدال والتنوير.