منذ حوالي ستة أشهر أصدر ستة من الباحثين بمعهد ماساتشوستس للتقنية Massachusetts Institute of Technology (MIT) دراسة هامة بعنوان "عقلك وشات جي بي تي: تراكم الديون المعرفية عند استخدام مساعد الذكاء الاصطناعي في كتابة المقالات" او "Your Brain on ChatGPT: Accumulation of Cognitive Debt when Using an AI Assistant for Essay Writing Task" لتبيان تأثيرات استخدام تلك التقنية في كتابة المقالات مقارنة باستخدام محركات البحث التقليدية والعمل بدونهما أيضا.
في هذا البحث، الذي يتناول واحدة من أكثر القضايا التعليمية إثارة للجدل في عصر الذكاء الاصطناعي، حاول الباحثون فهم ما يحدث داخل العقل البشري عندما يعتمد الكاتب على النماذج اللغوية الكبيرة في كتابة المقالات، مقارنة بالاعتماد على محركات البحث أو على قدراته الذهنية الخالصة دون أي أدوات.
جاء التصميم التجريبي للدراسة شديد الدقة؛ إذ تم تقسيم المشاركين إلى ثلاث مجموعات رئيسية: مجموعة تستخدم نموذجاً لغوياً ذكياً، وأخرى تعتمد على محرك بحث تقليدي، وثالثة تعمل بـالعقل فقط دون الاستعانة بأي من تلك الأدوات، حيث أُجريت ثلاث جلسات متتالية تحت نفس الظروف لكل مجموعة، ثم جاءت الجلسة الرابعة لتبديل الأدوار حيث انتقل مستخدمو الذكاء الاصطناعي إلى الكتابة دون أدوات، بينما انتقل مستخدمو العقل فقط إلى استخدام النموذج اللغوي.
شارك في الجلسات الثلاث الأولى أربعة وخمسون متطوعاً، بينما أكمل ثمانية عشر مشاركاً الجلسة الرابعة.، وقد استخدم الباحثون التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG) لقياس مستوى الجهد المعرفي أثناء عملية الكتابة، كما لجأوا إلى تقنيات المعالجة اللغوية الطبيعية لتحليل النصوص الناتجة، إضافة إلى تقييم المقالات بمعرفة أساتذة بشريين وحكم آلي.
وقد كشفت النتائج اللغوية عن ملاحظة لافتة داخل كل مجموعة حيث اتسمت المقالات بتجانس واضح في الأنماط اللغوية مثل الكيانات المسماة وتركيبات الـ"إن-جرام" n-gram وبنية الموضوعات، وبدا الأمر واضحا وكأن كل مجموعة يكون لها أسلوب متميز وواضح و يمكن التعرف عليه نتيجة لطبيعة الأداة المستخدمة أو لغيابها.
الإشكالية الأخطر جاءت في نتائج الـ EEG؛ إذ اتضح أن الاعتماد على العقل وحده أنتج أقوى شبكات اتصال داخل المخ، ليست الأقوى و حسب بل الأكثر انتشرا وتشعبا أيضا، وعلى النقيض، جاءت مجموعة محرك البحث في مستوى متوسط من النشاط، بينما سجل مستخدمو النماذج اللغوية أضعف معدلات الاتصال، بما يعكس انخفاضاً تدريجياً في النشاط المعرفي كلما زاد الاعتماد على أدوات خارجية أي أن العقل يتراجع خطوة إلى الوراء كلما تقدمت الأداة لتتولى المهمة.
في الجلسة الرابعة، اتضحت آثار الاعتماد السابق على الذكاء الاصطناعي بشكل أكثر وضوحاً، فالأشخاص الذين انتقلوا من استخدام النموذج اللغوي إلى الكتابة بالعقل فقط ظهر لديهم انخفاض في نشاط مناطق الدماغ المرتبطة بالألفا والبيتا، وهي مؤشرات عادةً ما ترتبط بضعف المشاركة الذهنية أو ما يمكن أن يطلق عليه الكسل المعرفي، وفي المقابل، أظهر من انتقلوا من الكتابة الذهنية إلى استخدام الذكاء الاصطناعي ارتفاعاً في نشاط مناطق الذاكرة والمناطق البصرية-الجدارية والجبهية، على نحو يشبه نمط مستخدمي محركات البحث، وكأن العقل يظل متيقظاً عندما يتعامل مع أداة مساعدة لا تقدّم له الإجابة كاملة، بل تتطلب منه جهداً في البحث والاختيار.
أما على المستوى السلوكي، فقد جاءت مشاعر الملكية تجاه المقالات في أدنى مستوياتها لدى مستخدمي الذكاء الاصطناعي، وأعلى مستوياتها لدى من كتبوا بعقولهم واللافت أيضاً أن مستخدمي الذكاء الاصطناعي واجهوا صعوبة في تذكّر أو إعادة سرد ما كتبوه بأيديهم، وهو أمر ذو دلالة على علاقة ضعيفة بين الكاتب ونصه حين يكون النص من إنتاج آلة أكثر منه نابعاً من خبرته الذاتية.
وخلصت الدراسة الى انه بالرغم مما يقدّمه الذكاء الاصطناعي من راحة وسرعة، فإن النتائج الممتدة على أربعة أشهر أظهرت أن الاعتماد الكثيف عليه يرتبط بتراجع في الأداء الذهني واللغوي والسلوكي، مما يطرح تساؤلات عميقة حول أثر هذه الأدوات على مستقبل التعليم، ويستدعي تفكيراً أعمق في كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في عملية التعلّم دون أن يأتي على حساب القدرات العقلية ولا يقتصر الأمر على التعليم وحسب بل يمتد ليشمل كافة أساليب الاستعانة بتلك الأدوات لكافة الأعمار وفى جميع المجالات والتخصصات أيضًا.