دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة هي الأخطر منذ اندلاعها، بعدما انتقلت من صراع عسكري تقليدي على الأرض إلى حرب تدمير ممنهجة تستهدف مقومات الحياة ذاتها، الضربات الروسية الأخيرة، التي استخدمت فيها – وفق البيانات الأوكرانية – أكثر من 650 طائرة مسيرة ونحو 50 صاروخًا في ليلة واحدة منذ أيام، لم تكن مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل هجومًا واسع النطاق على شبكة الطاقة والنقل والتدفئة والمياه في عشرات المدن، بما يعكس تحولا استراتيجيا واضحا نحو كسر الإرادة الشعبية الأوكرانية عبر إنهاك الداخل لا عبر الحسم على الجبهات فقط.
الأرقام وحدها تكشف حجم التصعيد؛ إذ تسببت الهجمات في انقطاع الكهرباء جزئيًا أو كليًا عن ملايين السكان، وتعطلت محطات توليد رئيسية، وتأثرت خطوط سكك حديد استراتيجية تربط العاصمة كييف بالمدن الصناعية في الشرق والجنوب، وفي بعض المناطق، حرم عشرات الآلاف من المواطنين من التدفئة والمياه في ذروة الشتاء، ما يحول الضربة العسكرية إلى عقاب جماعي منظم، ويجعل البنية التحتية هدفًا بديلا عن الجنود والدبابات، هذا النمط من الحرب يعكس قناعة روسية مفادها أن كلفة تحطيم المجتمع على المدى المتوسط قد تكون أقل من كلفة اختراق الدفاعات العسكرية الأوكرانية المحصنة منذ سنوات.
في المقابل، ورغم هذا الدمار واسع النطاق، لم تنجح موسكو حتى الآن في تحقيق حسم استراتيجي على الأرض، فرغم إعلانها السيطرة على عدة مدن ومحاور، لا تزال الاشتباكات مستمرة في العديد من هذه المناطق، بما يؤكد أن السيطرة الميدانية الروسية لا تزال رخوة وقابلة للاهتزاز، كما أن أوكرانيا، برغم الضربات الثقيلة، لا تزال قادرة على إعادة تشغيل أجزاء من شبكات الطاقة والنقل، بدعم غربي تقني ومالي مباشر، ما يعكس معادلة استنزاف متبادل وليست حرب حسم سريع.
اللافت أن الحرب لم تعد محصورة داخل الحدود الأوكرانية، حيث نفذت كييف خلال الشهور الأخيرة عمليات نوعية بطائرات مسيرة داخل العمق الروسي، استهدفت قواعد جوية ومخازن وقود ومنشآت عسكرية، في محاولة لنقل كلفة الحرب إلى الداخل الروسي، هذا التحول من الدفاع إلى الردع الهجومي يعكس إدراكا أوكرانياً بأن المعركة لم تعد فقط على الأرض الأوكرانية، بل على ميزان الإرادات والضغط النفسي والسياسي داخل روسيا نفسها.
تأتي هذه الهجمات بينما تشهد الساحة الدبلوماسية تحركات أمريكية وغربية نشطة لدفع مسار تفاوضي، غير أن الوقائع تشير إلى أن فرص التسوية ما تزال محدودة، فروسيا تتمسك بما تعتبره مكاسب استراتيجية غير قابلة للتنازل، وفي مقدمتها مناطق النفوذ والأراضي التي وضعت يدها عليها، بينما تصر أوكرانيا على استعادة السيادة الكاملة ورفض أي اتفاق يقوم على منطق الأمر الواقع، هذا التناقض الجذري يجعل أي مفاوضات أقرب إلى إدارة الأزمة لا حلها، ويمنح التصعيد العسكري وظيفة سياسية واضحة كأداة ضغط تفاوضي.
الوجه الأكثر قسوة في هذه المرحلة من الحرب هو البعد الإنساني، فالهجمات التي تضرب الكهرباء والمياه والتدفئة في الشتاء تعني عمليا تعريض ملايين المدنيين لخطر البرد والجوع وانهيار الخدمات الصحية، ومع كل موجة قصف، تتسع دائرة النزوح، وتتعمق أزمة الفقر والبطالة، وتتآكل قدرة الدولة الأوكرانية على تسيير الحد الأدنى من الحياة الطبيعية، وهنا يتحول المدني من متفرج على المعركة إلى ضحية مباشرة في قلبها، وتتحول معاناته إلى أداة من أدوات الصراع.
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية صراع حدود أو مناطق نفوذ فقط، بل باتت حرب كسر إرادات بكل ما تحمله الكلمة من معنى، روسيا تراهن على إنهاك المجتمع الأوكراني عبر تدمير بنيته التحتية وإغراقه في أزمات معيشية خانقة، وأوكرانيا تراهن على الصمود الطويل واستنزاف روسيا اقتصاديًا وعسكريًا ونفسيًا بدعم غربي مفتوح، وبين الرهانين، تتجه الحرب إلى مسار طويل الأمد، لا تحسمه معركة فاصلة، بل سلسلة موجات من التدمير والردع والاستنزاف، في واحدة من أكثر حروب العصر الحديث تعقيدًا وكلفةً إنسانيًا وسياسيًا واقتصاديًا.
حل الصراع الروسي الأوكراني بشكل نهائي يبدو مستبعدًا إلا إذا طرأت تغييرات جذرية على موازين القوى وواقع الأرض، من منظور تحليلي، أي تنازل أوكراني عن أجزاء من أراضيها، مهما كان جزئيا، يعني قبول مبدأ فرض الأمر الواقع الذي أرسته روسيا عبر أربع سنوات من الحرب والتدمير الممنهج للبنية التحتية، مثل هذا التنازل قد يحقق تهدئة مؤقتة ويوقف موجة الدمار اليومية، لكنه سيترك إرثًا طويل الأمد من الإحباط الوطني والاحتقان الداخلي، كما سيعزز منطق القوة في النزاعات المستقبلية في العالم، بالتالي، أي حل قائم على التنازل يجب أن يقترن بضمانات دولية واضحة، تشمل الحماية الأمنية، إعادة الإعمار، ودعم الاستقرار السياسي والاقتصادي، حتى لا يتحول التسوية إلى مجرد استسلام شكلي للأمر الواقع.