رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يصف الكاتب الكبير "محمد حسنين هيكل" (1923: 2016م) عمل المسيري الموسوعي، بقوله: "والواقع أن المسيري حيا عصره وزمانه وأُمته بعمل جامع قدمه للمكتبة العربية على شكل موسوعة كاملة عن "اليهود واليهودية والصهيونية". ووجبت له رد التحية، كرجل أعطى أحلى سنوات عمره، حاملًا عبئًا علميًّا وبحثيًّا وتنظيميًّا وماليًّا، اقتص ضرائبه من شبابه ومن صحته، ثم جاء هذا العمل الموسوعي يطغى ويزيح ويفرض نظامه الحديدي على رجل أقبل عليه ورضي بمسؤوليته بحماسة شديدة وبحب". كما قال: "لثلاثين سنة والرجل شبه منقطع لهذه المهمة، حتى أوشك أن يصبح موسوعة حية للموضوع. 


كما يعده الأديب الكبير "خيري شلبي" (1938: 2011م) من عظماء مصر المعاصرين، بقوله: "العظماء - في المأثور الثقافي القديم – هم أولئك الذين يقدمون لأممهم ما تحتاج إليه بالفعل في لحظة معينة من لحظات التاريخ الحاسمة، وفي تقديري أن تلك الموسوعة التي أنجزها "المسيري" في ستينيات القرن الماضي تضع مؤلفها في قائمة عظماء مصر المعاصرين.. فما بالك بالموسوعة الكبيرة عن اليهود واليهودية والصهيونية بمجلداتها الثمانية؟". 


أما الكاتب الكبير "كامل زهيري" (1927: 2008م) فيرى أن كُلًّا من "المسيري" و"جمال حمدان" (1928: 1993م) كانا بمثابة الرد الحضاري من الوجدان المصري على هزيمة 1967م، كما يعد الموسوعة ثمرة إيجابية من ثمار الهزيمة الأليمة. 


والموسوعة عند "المسيري" عبارة عن دراسة لحالة محددة هي "اليهود واليهودية والصهيونية" في الحضارة الغربية أساسًا، وهي دراسة تاريخية اجتماعية مقارنة تركز علي العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين أعضاء الجماعات اليهودية (بما في ذلك أعضاء الجماعات اليهودية في المستوطن الصهيوني) من جهة وأعضاء المجتمعات المختلفة من جهة أخرى، كما تركز على الأبعاد المعرفية لهذه العلاقات، لكن هذه الدراسة، رغم أنها دراسة حالة، إلَّا أنها دراسة لنماذج تحليلية مركبة ذات مقدرة تفسيرية تتجاوز الحالة موضوع الدراسة، فهذه النماذج تتوجه لقضايا عامة مثل: علاقة الأقلية (بخاصة أعضاء الجماعات الوظيفية) بالأغلبية، وعلاقة الأقليات بالدولة القومية المركزية، وطبيعة الحضارة الغربية الحديثة، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، وعلاقة الحلولية بالتوحيد، وعلاقة الفكر بالمادة، وعلاقة الذات بالموضوع.


وأول هذه النماذج هو "نموذج الجماعات الوظيفية"، حيث يدرس من خلاله الجماعات اليهودية في إطار علم اجتماع الأقليات والجماعات التجارية الهامشية والجماعات الإثنية، وهنا يظهر اليهودي بوصفه عضو أقلية أو جماعة وظيفية، أما النموذج الثاني فهو "نموذج العلمانية الشاملة" (الإمبريالية)، وهو نموذج أكثر اتساعًا من نموذج الجماعات الوظيفية وأكثر عمومية، إذ لا يضع اليهود في سياق الأقليات وحسب وإنما في سياق التشكيل الحضاري الإمبريالي الغربي، وهو التشكيل الذي هيمن علي العالم بأسره، وفي ضمنه أعضاء الجماعات اليهودية، وهنا يظهر اليهودي بوصفه الإنسان الغربي الحديث، وما يحدث له (من اندماج ودمج وتدجين وتوظيف وتنميط وعلمنه وإبادة) هو ما يحدث للملايين من البشر في العصر الحديث، وهو إنسان يعيش في عصر أزمة الحداثة (وما بعد الحداثة).


أما النموذج الثالث فهو "نموذج الحلولية الكمونية الواحدية" مقابل نموذج التوحيد والتجاوز، وقد بين "المسيري" أن الصراع بين النموذجين يشكل التوتر الأساسي في اليهودية (وفي كل الأديان) فهو تعبير عن تناقض إنساني أساسي يسم إنسانيتنا المشتركة، يأخذ شكل النزعة الجنينية (والرغبة في فقدان الهوية والالتحام بالكل والتخلي عن الوعي وعن المسؤولية الأخلاقية) في مقابل النزعة الإنسانية والربانية (وهي أن يؤكد الإنسان هويته الإنسانية المستقلة عن الطبيعة، ويتحمل المسؤولية الخلقية عن هذا الوضع).


منطلقات الموسوعة المعرفية:
‌أ) أن الموسوعة ليست عملًا تأريخيًّا، إذ تنظر الموسوعة إلى كثير من الحقائق التاريخية ضمن نموذج معرفي، وهو ما ركز عليه "المسيري" في الجزء الأول، كما أنه يطرح نموذجًا "يقترح" أنّه أكثر تفسيرية من غيره، وهو بذلك يدعو كل من يختلف معه ألَّا يتعامل مع نموذجه الاجتهادي بمنطق الثواب والخطأ، لأنه لا يدعي أن نموذجه هو الصواب المطلق.


‌ب) أن حجر الزاوية، والرؤية النظرية التي بنيت عليها الموسوعة، هو أن جوهر الصراع على فلسطين لا يمكن فهمه بالنصوص الدينية فقط – وإن كانت جزءًا من الموضوع - كما لا يمكن فهمه بالصورة النمطية الكلاسيكية في ثقافة العرب والمسلمين. 


‌ج) أن الفارق بين اليهودية والصهيونية، هو أن اليهودية تقدس الشتات أو المنفى (الدياسبورا)، حيث يجب على اليهودي أن يظل مشتتًا حتى ظهور المسيح، أمَّا الصهيونية فهي عملية معاكسة لليهودية الأصلية، حيث قدست العودة إلى فلسطين أو صهيون، ولم تقدس الشتات.


‌د) أن اليهود ليسوا كيانًا متجانسًا، وليسوا قومية واحدة، وهذا يحمل معني أن اليهود ليس لهم حق في السعي لمشروع قومي؛ لأنهم ليسوا قومية، لكنهم جماعات مختلفة، وأنه لا يوجد ما يسمى باللوبي اليهودي ولا النفوذ اليهودي، ولا المؤامرة الغربية، إنما يوجد صراع – واضح ومشهور - بيننا وبينهم، وعدائهم للمسلمين والعرب منطقي بتصورهم.


‌ه) أن تاريخ الحركة الصهيونية ليس جزءًا من تاريخ يهودي عالمي، ولا هو جزء من التوراة والتلمود، بل هو جزء من تاريخ الإمبريالية الغربية، وأن إبادة الأقليات هي سمة أساسية من سمات تلك الحضارة، علمًّا بأن تأثر الصهيونية بـ "هتلر" أكثر من تأثرهم بالتوراة، وأن اللحظة النازية ليست لحظة استثنائية في الحضارة الغربية، بل هي فكرة أساسية فيها، حيث لا فرق هنا بين "بلفور" (1848: 1930م) و"هتلر" (1889: 1945م)، لأن بلفور كان يملك مستعمرات فقام بتهجير اليهود فيها، لكن هتلر لم يكن يملك مستعمرات فأباد اليهود. 


‌و) أن نشأة الكيان الصهيوني ما هي إلًّا جزء من ظاهرة الترانسفير - الغربية بالأساس -كمترادفة علمانية لا دينية. وربما نشأت إسرائيل، من دون وعد بلفور أو حتى وعد التوراة، لأن هناك آلية الترانسفير التي استخدمتها الحضارة الغربية في فترة نهضتها، علمًا بأن الدور الذي لعبته بريطانيا أكبر بكثير من دور الحركة الصهيونية في إنشاء المشروع الصهيوني.


‌ز) أن إسرائيل يتم استخدامها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وليس العكس، وهذا أحد أهم المنطلقات الجوهرية للموسوعة، وتعد إسرائيل كما الثروة الاستراتيجية للولايات المتحدة، فبما أن بالمنطقة كنز اسمه "النفط"، فإن إسرائيل هي "حارس النفط"، وضمن الحرب الباردة بين القوتين العظميتين، كانت إسرائيل العنصر الأساسي في استراتيجية الأمن الشامل للولايات المتحدة الأمريكية، وليس العرب. 


‌ح) ليس صحيحًا أن اللوبي الصهيوني هو الذي يحكم الولايات المتحدة، فقوة اللوبي نابعة من المصالح المشتركة. كمثل "الغانية" تؤثر في من تغريه بدلالها، الأنثوي، لكنَّها تدور في كنفه. فاللوبي مؤثر أيما تأثير، ولكن بقدر المصالح، وأن إسرائيل تعد – بطبيعة الحال - قوية بالولايات المتحدة؛ لأن المصالح بينهما متفقة، والولايات المتحدة تتعامل (والغرب) مع إسرائيل كجماعة وظيفية، تقوم بمهمة ما لصالحهما معًا. 


أنسنة العدو.. أو الهدف الأسمى للموسوعة: 
يرى البعض أن فكرة "أنسنة العدو" من أكثر أفكار "المسيري" جراءة، فهي تشكل صدمة للذين اعتادوا في الخيال والواقع، أن يصنفوا العدو شيطانًا، يأتي بأفعال يعجز عنها البشر، ويحاط بهالة من التوقعات والأوهام وقبل ذلك الخوف، وفي هذا الجانب تحديدًا كان "المسيري" يصر على ضرورة وقف "شيطنة" العدو؛ لأن شيطنته تجعل منه كائنًا غير مرئي وغير مدرك، تصعب مواجهته وهزيمته، أما "أنسنة" العدو فهي تضعه في إطاره الإنساني الحقيقي، ولذلك أنه يمكن مفاوضته فيمكن مقاتلته وإسالة دمه وهزيمته. 


يقول "المسيري": "ويتصور البعض أن "أنسنة" اليهود تعني "تبرئة ساحتهم" والتعاطف معهم (كما يقولون)، وفي هذا خلل ما بعده خلل، أمَّا بخصوص تبرئة ساحتهم، فهذا يفترض أن الصراع عبارة عن مرافعات، وأننا يجب أن نحاكم الصهاينة لا أن نقاتلهم، وهو أمر أبعد ما يكون عن الحقيقة. أمَّا التعاطف مع اليهود فهذا ناجم عن سوء فهم لمصطلح "أنسنة"، فقد جاء في الذكر الحكيم ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 104)، ولعل ما قاله "مارك توين" (1835: 1910م) عن اليهودية يلخص موقفي وبدقة: "اليهود بشر، ولا يمكنني أن أقول ما هو أسوأ من ذلك عنهم". 


لذا، فلا عجب من توثيق "قناة الوثائقية المصرية" للمحاولات العديدة للصهاينة في استهداف "المسيري" الشخصي، واستهداف موسوعته بالأدلة والبراهين في فيلم تسجيلي بعنوان "المسيري.. مفكر ضد الصهيونية"، علما أنه ذكر خططه ووسائله في مواجهة ذلك في سيرته الذاتية، فيما يخص الموسوعة، لحرصه على تأدية واجبه فيها حتى آخر نفس.


لكن الواضح والجلي في أمر أهم مفكر فكك المشروع الصهيوني؛ كان هو التجاهل كأهم تكتيكات الصهاينة في مواجهة مشروع "المسيري"، ومن ثم التهميش العالمي له، كأنه ما كان.. ربما !!

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء