تامر شوقي: المدارس المصرية اليابانية تراهن على صناعة طفل متكامل الشخصية
قال الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوى بجامعة عين شمس، إن المدارس المصرية اليابانية، تعد واحدة من أبرز التجارب التعليمية الحديثة، التي فرضت حضورها بقوة داخل المنظومة التعليمية المصرية، بعد نجاحها منذ انطلاقها نتيجة التعاون المشترك بين وزارة التربية والتعليم المصرية وهيئة التعاون الدولية اليابانية "جايكا"، مشيرًا إلى أن بداية التجربة فعليًا عام 2017/2018 بعدد 12 مدرسة فقط، قبل أن تتوسع تدريجيًا حتى وصلت اليوم إلى 69 مدرسة في 26 محافظة، وسط خطة طموحة للوصول إلى 100 مدرسة بحلول سبتمبر 2026، وتعكس هذه التوسعات الثقة الكبيرة في النموذج الياباني "التوكاتسو" الذي أثبت فعاليته في دمج الجوانب الأكاديمية والمهارية بشكل متوازن داخل البيئة التعليمية.
رؤية رئاسية للتوسع حتى 500 مدرسة
وأضاف شوقي، خلال مداخلة هاتفية، على فشاشة النيل للأخبار، نظرًا لنجاح التجربة على أرض الواقع، وجَّه الرئيس عبدالفتاح السيسي بالتوسع خلال السنوات الخمس المقبلة لتصل عدد المدارس إلى 500 مدرسة، بهدف تعميم الفلسفة اليابانية التي تراهن على صناعة طفل متكامل الشخصية، قادر على التعلم والعمل والتفاعل المجتمعي بوعي ومسؤولية، وهذا التوسع مدعوم كذلك بوجود 15 خبيرًا يابانيًا مقيمين في مصر يشرفون على تطبيق نموذج "التوكاتسو"، إلى جانب بعثات تعليمية أوفدت إلى اليابان لاكتساب الخبرة المباشرة، بالإضافة إلى برامج دبلوم متخصصة داخل كليات التربية لإعداد المعلمين للعمل داخل هذه المدارس بكفاءة عالية.
وأوضح، تركز المدارس المصرية اليابانية على جانبين رئيسيين، الجانب الأكاديمي المعرفي، وهو الجانب التقليدي المرتبط بالمحتوى الدراسي، لكنه يُقدم داخل بيئة تعليمية محفزة وجاذبة للطلاب، والجانب المهاري والسلوكي (التوكاتسو)، ويعتمد هذا الجانب على أنشطة عملية تهدف إلى بناء شخصية الطفل من جميع الجوانب، المعرفية، الوجدانية، الجسدية، والاجتماعي، وهو ما يخلق طفلًا قادرًا على التفكير، والعمل الجماعي، والتعبير عن الذات، واحترام القواعد والنظام.
أنشطة التوكاتسو
وأشار إلى أن، يُمارس الطلاب أنشطة يومية وأسبوعية تستهدف تطوير مهارات حياتية أساسية، من بينها، نشاط التنظيف، ويقوم الطلاب بتنظيف فصولهم بأنفسهم، وهي ثقافة يابانية أصيلة تغرس فيهم قيم، المسؤولية، احترام المكان، الاعتماد على النفس، ومجلس طلاب الفصل، وهو نشاط يتيح للطلاب الاجتماع لمناقشة مشكلاتهم وتبادل الآراء بصورة منظمة، مما يساعدهم على، اكتساب مهارات الحوار، احترام الرأي الآخر، التفكير الجماعي، وحل المشكلات ذاتيًا. كل هذه الأنشطة وغيرها تصنع جيلًا أكثر وعيًا وانضباطًا، مما ينعكس في النهاية على سلوك المجتمع ككل.
ولفت الخبير التربوي إلى أن، المجتمع الياباني يعتمد على قيم راسخة أهمها، احترام الوقت، النظافة، الانضباط، والعمل الجماعة، مؤكدًا أن ترسيخ هذه القيم يبدأ من المدرسة، لذلك تُعد أنشطة التوكاتسو بمثابة البذرة، التي تُغرس في الطفل فينعكس أثرها على المجتمع، فالطفل الذي يعتاد تنظيف فصله، سيحافظ تلقائيًا على نظافة منزله وشارعه، والطفل الذي يمارس الانضباط واحترام النظام داخل المدرسة، سيظل ملتزمًا بهذه القيم في حياته اليومية.
تمازج الخبرات المصرية واليابانية
وتابع الدكتور تامر شوقي، تتم إدارة هذه المدارس بالشراكة بين الخبراء اليابانيين والمعلمين المصريين، في نموذج تعليمي يمزج بين، الإبداع الياباني، المهارة المصرية، والبيئة المحلية واحتياجاتها، كما أسهمت البعثات التعليمية إلى اليابان في تأهيل المعلمين على أعلى مستوى، إلى جانب تطوير برامج دبلوم خاصة داخل الجامعات المصرية لضمان الاستدامة.
ويرى أن المدارس المصرية اليابانية تسعى إلى تحقيق حزمة من الأهداف، أهمها، تعزيز الانتماء الوطني وتنمية شخصية متوازنة للطفل، رفع كفاءة الطالب معرفيًا وسلوكيًا، توفير بيئة تعليمية قائمة على السعادة والمتعة والتحفيز، تنمية المهارات الحياتية الأساسية: الانضباط – المسؤولية – التعاون – تنظيم الوقت، وخلق مواطن قادر على المشاركة الفعالة في المجتمع بثقافة جديدة وتنمية شاملة.
وأكد أن، النجاحات المحققة حتى الآن بتجربة المدارس المصرية اليابانية، ليست مجرد مشروع تعليمي، بل هي رؤية للتنمية البشرية وصناعة جيل قادر على قيادة المستقبل، ومع التوسع المتوقع ليشمل 500 مدرسة، فإن تأثير هذا النموذج سيتضاعف ليترك بصمة واضحة في المجتمع المصري خلال السنوات المقبلة.

