رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الفرق بين الخطأ والخطيئة في الإسلام.. علي جمعة يكشف عنه

الدكتور علي جمعة
الدكتور علي جمعة

قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، ومفتي الجمهورية الأسبق، إن الشرع الشريف قد فرَّق بين الخطأ والخطيئة بتوفُّر القصدِ وعدمه؛ فإذا لم يتوفَّر القصدُ فهو خطأ، وإذا توافر القصدُ فهي خطيئة، والخطأُ معفوٌّ عنه غالبًا، ولا يترتّب عليه إثمٌ في الجملة، أمّا الخطيئة فيترتّب عليها إثم، وتحتاج إلى طلب الغفران.

وتابع علي جمعة في منشور له على فيس بوك، لتوضيح الفرق بين الخطأ والخطيئة، قائلا: وقد رتّب الشرعُ الشريف برنامجًا مُحكَمًا لمحاصرة تداعيات الخطأ والخطيئة، من أجل تجاوزهما والبدء من جديد، ونذكر ذلك في حقائق تُبيِّن المقصود.

وأوضح الدكتور علي جمعة، أن الحقيقة الأولى، هي أنّ تأصيل الفرق بين الخطأ والخطيئة يظهر في الحديث الذي وضعه البخاري أوّل حديثٍ في «صحيحه» باعتباره مفتاحًا من مفاتيح فهم الشرع الشريف؛ قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى…».

وذكر علي جمعة، أن النيّة في اللغة: القصدُ المؤكَّد. وهذا الحديثُ يجعلُ الإنسان يراعي ربَّه الذي يعلم ظاهرَه وباطنَه، وعملَه ونيّتَه. ويؤكِّد هذا الفرقَ قولُ النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ».

ومن هنا قد يكون هناك أجرٌ عند بذل الجهد مع الوقوع في الخطأ، كقول النبي: «مَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»، لأنّه لم يَقْصِد الإساءة أو الأذيّة، بل أراد الصلاحَ ولو لم يَصِل إليه.

وفي المقابل فإنَّ هناك ذنبًا وإثمًا على المتعمِّد للأذيّة، كإخوةِ يوسفَ بعد ما ارتكبوه من جريمة؛ حكى اللهُ عنهم فقال: {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [يوسف: ٩٧].

فاعترفوا بذلك بجريمتهم وذنبهم، وكلمة «خَاطِئِينَ» هنا تشمل فعلَ الذنب، سواء كان من قبيل الخطأ أو من قبيل الخطيئة.

وأشار إلى أن الحقيقة الثانية، تكمن في قولُ النبي: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»، وكلمة «خَطَّاء» صيغةُ مبالغةٍ من اسمِ الفاعل «خاطئ»، المشتملِ على الأمرين: الخطأ والخطيئة. ومن هنا علَّمنا رسولُ الله الإقلاعَ عن الخطأ والخطيئة معًا؛ فكان – وهو المعصوم ﷺ – يقول: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ».

الوقوع في الخطأ

وأضاف أن الحقيقة الثالثة، هي أنَّ الوقوعَ في الخطأ قد يترتَّب عليه ضررٌ يستوجب التعويضَ والغرامةَ من ناحية، ويستوجب التربيةَ وضبطَ النفس من ناحيةٍ ثانية، ويستوجب الاعتذارَ وتسليةَ المتضرِّر بعقابِ النفس من ناحيةٍ ثالثة.

وأوضح أن أحسن مثالٍ لذلك هو القتلُ الخطأ الذي يكون على سبيل الحادثة، لا على سبيل العمد ولا شبه العمد؛ إلا أنّ الله سبحانه وتعالى قد رتّب عليه الدِّية، وهي غرامةٌ ماليةٌ لأهل القتيل، ورتّب عليه – في الجملة – كفّارةً من تحرير رقبةٍ مؤمنة، فإن لم يجد فصيامُ شهرين متتابعين، وهذا نوعٌ من أنواع التربية للنفس، وشيوعُ مفهوم عدم الاستهانة بهذا الفعل حتى قبل وقوعه كثقافةٍ عامّةٍ في الناس، وفيه أيضًا معنى الاعتذار لأهل القتيل، وأنَّ حبسَ النفس عن مألوف طعامها وشرابها لمدة شهرين متتابعين يؤكِّد عدمَ العُدوان، ويؤكِّد الحزنَ على النتيجة التي ترتّبت على ذلك الفعل.

واستشهد بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: ٩٢–٩٣].

وذكر أن الحقيقة الرابعة، هي أنَّ سيدَنا رسولَ الله أمرنا ببرنامجٍ متكاملٍ بإزاء الخطأ والخطيئة، يبدأ بالاستغفار والتوبة التي تشتمل على: الإقلاعِ عن الذنب، والندمِ على الفعل، والعزمِ على عدم العَود إليه مرةً أخرى، وقد يحتاج هذا إلى كفّارة، وإلى غرامة، وإلى ردِّ الحقوق إلى أصحابها.

وقال علي جمعة، إنه مع هذا فقد أمرنا بعدمِ تتبُّع العورات واصطيادِ الأخطاء أو الخطايا، وأمرنا بالستر الجميل، وأمرنا بالعفو والتجاوز، وأمرنا بعدم التعيير؛ فقال: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وقال: «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ». وقال: «يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ، وَيَنْسَى الجِذْلَ – أَوِ الجِذْعَ – فِي عَيْنِ نَفْسِهِ».

وقال النبي الكريم: «لا تُوذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ».

وقال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»، وقال تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: ١٠٩].

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء